الصفحة 79 من 439

... فهو يرى أن مؤلف الكلام يحتاج إلى نظم كل لفظة مجاورة لأختها بينهما تلاؤم وارتباط متين . كما تحدث عن النظم عند مقارنته بين الصانع للكرسى [1] ، ومؤلف الكلام حيث"جعل الصانع الماهر هو البصير بحذق صناعته [2] ، ويقبل عذره إذا سلم إليه خشب ردئ ، فظهرت صناعته فيه ، فإنه عند ذلك يعاب لأجل الخشب ، فأما ناظم الكلام فقادرٌ على اختيار موضوعه ، غير محظور عليه تأليف ما يؤثر منها ، فمتى عدل عن ذلك جهلًا أو تسمحًا توجه الإنكار واللوم عليه ، وكان أهلًا له وجديرًا به ، على أن كلامنا في الصورة نفسها ، ولا شبهة في قبح صورة الكرسى المصنوع من ردئ الخشب ، وإن كان النجار قد أحكم عمله" [3] .

... فمؤلف الكلام ـ في نظر ابن سنان ـ يمتلك القدرة على اختيار ألفاظه ونظمها في سلك واحد ، دون أن تكون هناك لفظة نابية ، اضطُر إلى وضعها ، بخلاف الصانع.

(1) يرى بعض المحدثين:"أن هذه النظرية التى تجعل من الفن صناعة كسائر الصناعات ، وإن وردت على لسان كثير من النقاد العرب كابن سلام الجمحى ، وابن طباطبا ، وأبو هلال ، إلا أن أول من أشار إليها بوضوح قدامة بن جعفر في كتابه"نقد الشعر"وتبعه ابن سنان الخفاجى . (انظر قضية الإعجاز القرآنى وأثرها في تدوين البلاغة العربية ـ د/ عبد العزيز عبد المعطى عرفه ـ ص 470) ."

(2) ينسب د/ درويش الجندى للخفاجى تحيّزه للألفاظ في جعلها موضوعًا للكلام ، يشكله المؤلف في صورة الألفاظ ، فيجعل منها فصلًا منثورًا ، أو بيتًا منظومًا ، كما يشكل النجار الخشب في صورة كرسى مثلًا.... ( نظرية النظم ص 33) ، ويرى صاحب الصبغ البديعى، أن ابن سنان كان عند حديثه عن الألفاظ لا ينسى ما للمعنى من أثر بالغ في أصل الفصاحة ، وهذا واضح في السجع والجناس . (د/ أحمد موسى ص 218) .

(3) البلاغة بين عبد القاهر وابن سنان د/ عبد العاطى علام ص 95 نقلًا عن سر الفصاحة ص 95 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت