فهرس الكتاب
- 📄
... ويقول ابن خلدون [1] بعد ذلك فيما يشبه عبارة سيبويه:
"ألا ترة أن قولهم"زيد جاءنى"مغاير لقولهم"جاءنى زيد"من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم..." [2]
... ولست أسعى من وراء هذه النقولات سوى إبراز مدى اهتمام البلاغيين قديمًا وحديثًا بالكلام عن التقديم والتأخير ، ومدى انشغالهم ببيان تأثيره على الكلام .
... ومما يجب أن أنبه إليه أن التقديم والتأخير ليس يجئ لمجرد الاهتمام فحسب ، وإنما هناك دواع وأسرار بلاغية وراء كل لفظة قدمت عن موضعها ، فلا يمكن لنا في كل موضع أن نقول فيه أن التقديم للاهتمام وهذا ما جعل العلامة عبد القاهر يرفض ذلك ... يقول:
"وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفى أن يقال إنه قدم للعناية ؛ ولأن ذكره أهم ، ولتخيلهم ذلك قد صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم ، وهوّنوا الخطب فيه ، حتى أنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربًا من التكلف ، ولم تر ظنًّاأزرى على صاحبه من هذا وشبهه" [3] .
... والأهم من ذلك أن هذا الكلام لا يتعارض مع كلام سيبويه السابق ، فمراد سيبويه يتفق مع ما قاله الشيخ عبد القاهر ، ويمكن التوفيق بين الكلامين عند التأمل .
(1) هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون ، ولى الدين التونسى الخصومى ، الأشبيلى المالكى، ولد في تونس سنة 732 هـ ، وتوفى سنة 808 ، من أشهر مؤلفاته تاريخه الذى اشتهر بجزء منه وهو"مقدمة ابن خلدون" (جورجى زيدان 3/224) .
(2) مقدمة ابن خلدون ـ لابن خلدون ـ تصحيح: أبو عبد الله السعيد المندوه ـ جـ2 ص 254 ط1 .
(3) دلائل الإعجاز ـ للعلامة عبد القاهر ـ ص 85 ، وأقول: إنه يجب علينا معرفة سبب التقديم فإن قلنا إنه للاهتمام ، فما سبب هذا الإهتمام ... وبذلك يمكن تذوق المسائل البلاغية.