فهرس الكتاب
ثانيها: إن الدارس لتاريخ هذه الفتاة، يعلم أن أعصابها كانت ثائرة لتلك الانقسامات الداخلية التي مزقت فرنسا آنذاك والتي كانت تراها وتسمعها كل يوم بين أهلها وفي بلدها مع ما شاع في عهدها من خرافات كان لها أثر بالغ على حالتها النفسية انعكس على عقلها ووجدانها، من تلك الخرافات أن عذراء ستبعث في هذا الزمن تخلص فرنسا من عدوها.
ثالثها: إن تلك الفتاة لم تأت ولا بدليل واحد معقول على صدق أوهامها وتخيلاتها التي تزعمها وحيا وحديثا من الله إليها، لكن محمدا صلى الله عليه وسلم له على وحيه الذي يدعيه ألف دليل ودليل، كما سبق بيانه فأين الثرى من الثريا؟ وأين الظلام من النور؟
رابعها: إن هذه الفتاة الهائجة الثائرة لم تكن صاحبة دعوة إلى إصلاح ولا ذات أثر باق في التاريخ؛ إنما كانت صاحبة سيف ومسعرة حرب في فترة من الزمن وهو الدفاع عن النفس والوطن بمقضتى غريزة حب البقاء، ثم لم تلبث جذوتها أن بردت وحماستها أن خمدت.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر [1]
إذا فليس هناك أدنى تشابه بين ما قامت به تلك الفتاة الثائرة التي رأت الظلم البين الذي وقع عليها وعلى قومها، فقامت تزكي فيهم نار الحرب والأخذ بالثأر ممن اعتدوا على وطنها وقومها، فهبوا من سباتهم واستيقظوا من نومهم فحرروا بلادهم من الطغاة المعتدين وأضحت فرنسا بعدها قد تخلصت من عدوها، فكانت مثار إعجاب من كافة رجال فرنسا عامة، ورجال الدين خاصة هذا ما حدث.
فأين هذه الأحداث من أعظم مخلوق لأ فضل أمة بخير دستور إلهي وأثره الخالد في إصلاح أديان البشر وشرائعهم وأخلاقهم، وفي إنقاذ الإنسانية العانية وتجديد دمها بدينه الجديد الذي صحح به أوضاع الدنيا" [2] "
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في
(1) (عمرو بن الحارث بن مضاض الجر همي من ملوك قحطان في الحجاز في العصر الجاهلي القديم) وهذا البيت من قصيدة رائعة له في الحنين لمكة بعدما طردتهم قبيلة خزاعة منها، (المفصل في تاريخ العرب) 4 أجزاء للدكتور: جواد علي ابتدأها بقوله: وقائلة والدمع سكب مبادر وقد شرقت بالدمع منها المحاجر ... (الأعلام للزريكلي ج5/ 75
(2) بتصريف يسير من كتاب مناهل العرفان للإمام الزرقاني ج 2/ 424، 425