الصفحة 100 من 109

حيث بينت جزاء المخدوعين المفتونين الذين اغتروا بزخرفِ القولِ وانقادوا للأهواءِ فغرقوا في خضم الفتن، وتاهوا في شعابِها السحيقة، وفي المقابل تذكرُ خاتمة السورة عاقبة من عصمهم الله تعالى ونجاهم من الفتن فكانت لهم جنات الفردوس نزلا، ثم تختم السورة بما بدأت من حديثٍ عن كلمات الله التي لا يحصيها عدٌّ ثم العودُ إلى التذكير بطريق العصمة والنجاة والفوزَ والرضوان، وهو طريق سهلٌ واضحٌ {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } .

من هنا يتبين لنا وجه المناسبة بين مضمونها وبين ما ورد في فضلها، كما ذكرنا في فضائل السورة الكريمة أن قراءة العشر الأواخر منها عصمة من الدجال، مع ملاحظة ما ذكرناه في مقدمة السورة أن العشر الأواخر في عدِّ المدني الأول والخير والمكي تبدأ من قوله تعالى {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} وتنتهي بنهاية السورة.

المعنى الإجمالي

من مشاهد القيامة

قال تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) } الكهف: 99 - 102

{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ} : لما فرغ ذو القرنين رحمه الله من بناء السد الذي صار حاجزا بين يأجوج ومأجوج والبلدان المنكوبة، فمنعوا من الخروج، وماج بعضهم في بعضٍ خلف هذا البنيانِ المَشِيدِ، وقيل هذا التفات لما يجري قبل قيام الساعة من شدة الزحام واختلاط الناس، وقيل عند انفتاق السدِّ وخروج يأجوج ومأجوج واختلاطهم بالناس وما يحدث من هرجٍ ومرجٍ [1] .

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) } : النفخة الثانية التي تجمع الناس كما قال سبحانه {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } الزمر: 68، وكما في الصحيحين"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالَ

(1) - يراجع: لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 4/ 336، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري 5/ 212، وفتح القدير للشوكاني 4/ 430

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت