الصفحة 102 من 109

فتنة الأهواء

قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } الكهف: 102 - 106

بعد إنكاره عليهم اتخاذهم عباد الله أولياء من دونه، بين تعالى خسرانهم المبين وضلالهم البعيد وتقليدهم الأعمى وتعصبهم المقيت لما هم عليه بسبب فتنة الأهواء التي تزين القبيح، فجمعت السورة الكريمة بين فتنة الدنيا وفتنة إبليس وفتنة الهوى حتى يكون المسلم على حذرٍ ويسلك طريق العصمة من هذا الخطر.

وقد قيل

إني بُلِيتُ بأربعٍ ما سُلِّطوا ... إلا لشدةِ شقوتِي وعنائِي

إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى ... كيف الخلاصُ وكلُّهم أعدائِي؟

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) }

من أشدِّ الفتن وأعظمها خطرا وأعمقها أثرا فتنة الأهواء حين يعجب أهل الباطل بما هم عليه من ضلال وزيغ، بل ويتعصبون لباطلهم، لموافقته هواهم، وإن خالف الفطرة النقيَّة والعقول الراجحة، فتراهم يتهربون من سماع الحق والنظر في أدلته وبراهينه، ولا يُسلمون بالحججِ، فيؤثرون الهوى على الحق ويشترون الضلالة بالهدى.

شأن أصحاب الملل الوضعية والمحرفة والمذاهب الضالة، ممن انتصروا لأهوائهم وتعصبوا لآرائهم وانخدعوا ببريق الدنيا وتعلقوا بسرابها، واغتروا بالمال، وانحازوا إلى السلطان، وتفاخروا بالأهل والعشيرة.

وهذا بيانٌ لحال الكفرة باعتبار ما صدَر عنهم من الأعمال الحسَنةِ في أنفسها وفي حُسبانهم أيضًا حيث كانوا معجَبين بها واثقين بنيل ثوابِها ومشاهدةِ آثارِها.

روى البخاري في صحيحه بسنده عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبِي {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} : هُمْ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لا: هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: أَمَّا الْيَهُودُ: فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت