فهرس الكتاب
لما كانت مباهج الدنيا من أعظم دواعي الفتن، وردَّت هذه القصة وتضمنت نموذجين متباينين من الناس: النموذج الأول من اغتر بزينة الدنيا وجحد نعم الله عليه، والنموذج الآخر لمن عصمه الله من الوقوع في حبائل الدنيا بعلمه وإيمانه وثباته ويقينه وإيجابيته في دعوة صاحبه، ثم يضرب الله للدنيا مثلا لبيان اضمحلالها وزوالها، لينتقل السياقُ إلى عرضِ مشاهد من يوم الحشر، لشحذ الهمم وصرف العزائم للعمل لها اليوم.
الهدايات المستنبطة من قصة صاحب الجنتين
-في هذه القصة الهادفة: اعتبارٌ بحال ومآلِ الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية، فكفر بأنعم الله وأساء الأدب مع مولاه، واغترَّ بما أولاه، فخسِر دنياه.
-التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها، بما عند الله من نعيمٍ مقيمٍ وفَرَحٍ مُستديم.
-ضرورة توجيه النصح إلى الغافلين المفتونين، وإقامة الحجة عليهم.
-جواز الدعاء بتلف مال ما كان ماله سبب كفره وطغيانه وتمرُّده وعصيانه، وتبطُّره على أهله وخِلانه.
-"إن تذكر الموت وتصور الحياة الآخرة مما يقضُّ مضاجعَ المترَفينَ البطرين الأشرين، لذا يحاولون إلقاء حجب كثيفة بينهم وبين الاعتقاد باليوم الآخر". [1] .
-ضرب الله تعالى مثلا واقعيا محسوسا لحقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وتلاشي نعيمها حتى لا يغتر بها المؤمن؛ فإن الاغترار بها من أعظم أسباب الوقوع في الفتن وتسلطها على الساقطين في براثنها.
-إذا كان المال والبنون من أعظم زينة الدنيا وما عند الله خير وأبقى: فعلى المؤمن أن يحرص على الباقيات الصالحات، وهي كل عمل نافع يتقرب به إلى الله ويبتغي به وجهه الكريم.
-من دواعي العزوف عن زينة الدنيا والنجاة من فتنها، والسلامة من آفاتها: استحضار اليوم الآخر، وتذكُّره، والاستعداد له.
-ضرب الله تعالى في كتابه الكريم أمثلة عديدة متنوعة تصور لنا حقيقة الدنيا وتوجه أنظارنا إلى التفكر والاعتبار في شأنها، وفي هذه السورة الكريمة كانت هذه الصورة الواقعية المعهودة مثلا حيًّا محسوسا للدنيا، حيث شُبِّهَتْ بماء المطر، ينزل على الأرض اليابسةِ، فتنبت من كل زوجٍ بهيجٍ، حتى يختلط النباتُ بعضه ببعض،
(1) - مباحث في التفسير الموضوعي تأليف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم ص 230.