الصفحة 63 من 109

المناسبة

بعد الحديث عن فتنة الدنيا وزوالها، وما يتعقُّبها من حساب وجزاء، جاء الحديث عن فتنة أخرى ينبغي أن يحذَرَها المؤمنُ ويتوقَّاها ويتحصن منها، فهي من أعظم الفتن وأشدها خطرا، إنها فتنة إبليس اللعين، العدو الأكبر للإنسانية، والذي يتزعم شياطين الإنس والجن في معركة الإغواء والتضليل، فكم من بدعةٍ حسَّنها وكم من معصية هوّنها وكم من طاعةٍ صَرَفَ عنها، وكم من توبةٍ سوَّفها، فهو العدوُّ الأولُ للإنسانية، أبى واستكبر وكفر وتبطر، وامتنع عن السجود لآدم حسدا وكبرا، ثم لم يزل به حتى أخرجه من الجنة بوساوسه وأكاذيبه، أمر الله تعالى ملائكته الكرام بالسجود لآدم فسجدوا جميعا غيرَ إبليس، أُمر فلم يسجد؛ كبرا وعنادا وتمردا وعصيانا، وغُرورا وعُجبا وتعصُّبا لعنصرِهِ النارِيّ، قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) } الأعراف: 12

المعنى الإجمالي

أمر الله تعالى ملائكته الكرام بالسجود لآدم - عليه السلام - سجود تكريم {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} "خانه أصلُه؛ فإنه خُلِقَ من مارجٍ من نارٍ، ... فعند الحاجةِ نضح كلُّ وعاء بما فيه، وخانه الطبعُ عند الحاجة، وذلك أنه كان قد تَوَسَّم بأفعال الملائكة وتشبَّه بهم، وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة" [1] ، أبعد هذا يُستجَابُ لوساوسِهِ؟ ويُتركُ له القِيادُ؟

{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} أتوالونه وذريته مع ظهور عداوتهم وانكشاف ضلالهم وإضلالهم؟

{بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} استبدلوا طاعة إبليس وذريتِه بعبادة ربهم وطاعته، فبئس ما صنعوا.

تعقيب

دحض شُبَهٍ المشركينَ، وبيان أسباب صدودهم

قال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) } الكهف: 51 -52

(1) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/ 167

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت