فهرس الكتاب
ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، ولا اتخذت أولئك المضلين عضدا: فكيف تتخذونهم أولياءَ من دون الله؟ وتدَّعون معرفتَهم بالغيب؟ فالآية دحضٌ وردٌّ على أولياء الشيطانِ، أو ما أشهدت المشركين خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا كنت متخذا لهم عضدا، فهي ردٌّ على أصحاب النظريات الخاطئة في نشأة الكون مثل نظرية دارون وغيرها من نظريات الكفرة الملاحدة الذين لا قيمة لهم ولا وزن لهم عند الله.
واختار الرازي عودة الضمير إلى المشركين فقال:"... الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ... حتى نقبل منك هذه الاقتراحات" [1] .
{وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ} يعني يقول الله تعالى يوم القيامة للمشركين {نَادُوا شُرَكَائِيَ} المرادُ بهم كلُّ ما عُبد من دونه تعالى، وقيل: إبليسُ وذرِّيتُه {الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} يعني أنهم شركائي {فَدَعَوْهُمْ} أي فاستغاثوا بهم {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} أي فلم يجيبوهم ولم ينصروهم.
قال أبو السعود" {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} فلم يُغيثوهم؛ إذ لا إمكان لذلك وفي إيراده مع ظهوره: تهكُّمٌ بهم وإيذانٌ بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به" [2] .
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} يعني حاجزا بين الضالين والمضلين، أو بين المشركين ومعبوداتهم التي عبدوها من دون الله، أو بين أهل الهدى والضلال، أو بين كل هالكٍ وهالكٍ، حتى يظلَّ في معزِلٍ عن غيرِهِ ويبقَى وحيدًا مستوحشًا.
{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) }
{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا} أي فأيقنوا {أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} مخالطوها واقعون فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد أنهم مواقعوها الساعةَ، وقد راعهم منظرُها وصُعقوا من شهيقها وفزعوا من هولها {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} انصرافًا أو معدِلًا ينصرفون إليه، كيف وقد أحاطت بهم.
الهدايات المستنبطة
(1) - التفسير الكبير للرازي 21/ 138 بتصرف
(2) - إرشاد العقل السليم إلي مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 5/ 229