الصفحة 67 من 109

تلك الجوابات الشافية والأمثلة المطابقة فهؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة، فقال {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل" [1] "

وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة قررته آياتٌ أُخَر. كقوله في «الإسراء {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) } [الإسراء: 89] ، وقوله تعالى {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) } [الإسراء: 41] ، وقوله تعالى {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) } [الروم: 58] .

ومع عظمة القرآن، وجلالته، وما صرّف فيه من كل مثلٍ، لهداية للناس في معاشهم ومعادهم، ومع ما اشتمل عليه من حجج ساطعاتٍ وآيات بيناتٍ، فإن هناك من يجادلُ بالباطل، مع وضوح الحقِّ وجلائِهِ {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} أي: مجادلة ومنازعة، فتلك سجيَّةٌ إنسانيةٌ، إلا من رحم الله وعصمه من الجدل، وهداه إلى الحقِّ.

ماذا بقي للمعرضين.

قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) } الكهف: 55

لم يبق لهم وقد أعرضوا عن الحق إلا أن يأتيهم العذاب الذي أصاب من سبقهم أو يأتيهم عذابٌ عاجلٌ غيرُ معهودٍ، كما وقع للمشركين في بدر من قتلٍ وأسرٍ، فليرجعوا عن غيِّهم قبل فوات الأوان.

وفي هذا المعنى: قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) } [يونس: 96 97] .

مهمة المرسلين وجدال المبطلين!

قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) } الكهف: 56

(1) - التفسير الكبير للرازي 21/ 140

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت