الصفحة 68 من 109

بعد الحديث عن الكتاب يأتي الحديثُ عن وظيفة الرسل ومهمتهم الجليلة، وهي مهمة واضحةٌ، تتلخَّصُ في البشارة والنذارة، وما يتعلق بذلك من بيانٍ، ومع وضوح رسالتهم وقوة حجتهم فإن دأب الكفار هو الجدل العقيم، الذي يستندون فيه على قلب الحقائق وزخرفة الأباطيل، فضلا عن استهزائهم واستهانتهم بالآيات والنذر.

من مظاهر الصدود وأسبابه

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) } الكهف: 57

جمع الكفارُ بين امتناعهم عن قبول الحق المبين، وجدالهم العقيم، واستهزائهم بآيات الله، مع إعراضهم ونسيانهم المتعمَّد وتهاونهم بالذنوب، وإصرارهم على الضلال مهما عاينوا من حججٍ، فأضرُّوا بأنفسهم، حيث أوردوها موارد الهلاك.

باب التوبة مفتوحٌ

قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) } الكهف: 58

لما توعدهم وهددهم: فتح لهم باب الرحمة، وبيَّن لطفه بهم وإمهاله لهم؛ لعلهم يبادرون بالتوبة، قبل أن تُطوى صحائفُهم، وَيَحِلُّ موعدُهم الذي لا مفرَّ ولا ملجأ منه.

{بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته تعالى في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه، ولهذا قال: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) } أي: بظلمهم، لا بظلم منا {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} أي: وقتا مقدرا، لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون.

المناسبة بين المحور وآيات المقطع: تنتظم آيات هذا المقطع مع المحور العام لهذه السورة الكريمة؛ حيث جاء الحديث فيها عن أساليب القرآن ومقاصده وعن مظاهر الإعراض ودوافعه، وعن مهمة المرسلين، وفي هذا تسلية وتثبيت لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودحض لشبه المشركين وتفنيدٌ لما يتعللون به من أباطيل وأوهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت