الصفحة 72 من 109

كان لكلامه - عليه السلام - وقعًا في النفوس وتأثيرًا على القلوب، حتى قام أحد المعجبين بهذه الخطبة الواقعية الوعظية العصماء، المولعين المُلْهَجِينَ [1] بتلك البلاغة والطَّلاقة المتدفقة من ينابيع العلم التي تتفجر على لسان نبي الله موسى - عليه السلام -، حين يدور الحديث عن الماضي القريب الذي شاهدوه وعاينوه.

سأله: يا نبيَّ الله هل هناك من هو أعلم منك؟

هل على ظهر الأرض من إنسانٍ تفجرت له ينابيعُ الحكمةِ، وجُمِعَتْ له أوابدُ البلاغةِ وحَمَلَ بين جنبيه رسالة خيرٍ وإصلاحٍ كتلك التي حملتها لنا وقدمتها بصبرٍ وأناةٍ؟

ظنَّ موسى - عليه السلام - أن الإجابة يسيرة لا تحتاج إلى تفكرٍ وإمهالٍ، فقال: لا.

لكنْ المفاجأةُ تأتي مطويَّةً في: رسالةٍ إلهيةٍ محمَّلةٍ بروحِ العتابِ على هذا التسرعِ في الجواب.

روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ حَدَّثَنِي أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"... مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا حَتَّى إِذَا فَاضَتِ الْعُيُونُ، وَرَقَّتِ الْقُلُوبُ وَلَّى، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ لاَ، فَعُتِبَ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ ... الحديث [2] "

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبّاسٍ: إِنّ نَوْفًا الْبِكَالِيّ يَزْعُمُ أَنّ مُوسَىَ - عليه السلام -، صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَىَ صَاحِبَ الْخَضِرِ - عليه السلام -! فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللّهِ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"قَامَ مُوسىَ - عليه السلام - خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قَالَ: فَعَتَبَ اللّهِ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَىَ اللّهُ إِلَيْهِ: أَنّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَىَ: أَيْ رَبّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَحَمَلَ مُوسَىَ - عليه السلام -، حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتّىَ أَتَيَا الصّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَىَ - عليه السلام - وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتّىَ خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَأَمْسَكَ اللّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتّىَ كَانَ مِثْلَ الطّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَىَ وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَىَ أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمّا أَصْبَحَ مُوسَىَ - عليه السلام - قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا"

(1) - لَهِجَ بالأَمرِ لَهَجًا ولَهْوَجَ وأَلْهَجَ كلاهما أُولِعَ به واعْتادَه، وأَلْهَجْتُه به ويقال فلان مُلْهَجٌ بهذا الأَمْر: أَي مُولَعٌ به، واللَّهَجُ بالشيء الوُلوعُ به. يراجع: لسان العرب لابن منظور 2/ 359.

(2) - رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) } حديث 4772

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت