الصفحة 79 من 109

والحكمة من اختلاف التعبير عن نفس الحادثة حيث قال مرة (سَرَبًا) وقال مرة أخرى (عَجَبًا) : الجواب في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: (فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَىَ وَفَتَاهُ عَجَبًا) [1] .

فَسِرُّ اختلاف التعبير، هو الناحيةُ التي لحظها التعبير القرآني، والزاوية التي نظر للقصة من خلالها.

فهو في المرة الأولى كان ينظر للحادثة من زاوية الحوت، ويلحظ حركة الحوت في البحر، فقال {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} .

أما في المرة الثانية فكان ينظر للحادثة من زاوية موسى - عليه السلام - وفتاه، ويلحظ أثر حركة الحوت على نفسية وشعور موسى وفتاه، ولاشك أنهما سيعجبان من حركة الحوت، ولذلك قال: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} .

"ونشير هنا إلى أن العجب الذي أثارته حركة الحوت وبعثه، ليس مبعثه الإنكار والاستغراب، لأن موسى - عليه السلام - وفتاه، يؤمنان بقدرة الله على البعث وصنع المعجزات، وإنما مبعثه هو دهشة المفاجأة، والانفعال بها" [2] .

ومثارُ التعجب: أن يحيا حوتٌ مُمَلَّحٌ، ثم يثب إلى البحر ويبقى أثرُ جريته في الماء لا يمحو أثرها جريان ماء البحر!

ثم وصفه الله سبحانه فقال: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا} وصفه تعالى بأنه عبدٌ من عباده؛ والعبودية أسمى المقامات وأشرف الغايات التي من أجلها خلق الإنسان، وفي هذا ما يدل على ما كان عليه الخضر - عليه السلام - من اجتهادٍ في العبادةِ، وهذه صفة أساسية من صفات أهل العلم ورجال الدعوة والإصلاح، وفي وصفه - عليه السلام - بأنه عبد من عباد الله: ردٌّ على كل من غالى في شأن الخضر حتى توهم بعض الغلاة أن الخضر لا يزال على قيد الحياة وأنه يظهر لبعض الناس فيرشدهم ويوجههم! وهذا كلام لا يشهد له نقل صحيح ولا يصدقه عقل راجح، {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} قيل: الرحمة هي النبوّة، وقيل: النعمة التي أنعم الله بها عليه {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} وهو ما خصَّه الله تعالى بعلمه ومعرفته، وفي قوله {مِنْ لَدُنَّا} تفخيم لشأن ذلك العلم، وتعظيم له وبيانٌ لخصوصيته واختصاصه - عليه السلام - به.

(1) - سبق تخريجه

(2) - مع قصص السابقين في القرآن الكريم 2/ 204"دروس في الإيمان والدعوة والجهاد"صلاح عبد الفتاح الخالدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت