فهرس الكتاب
انطلقا بعد أن غادرا السفينة حتى لقيا غلاما يلعب مع أقرانه فأخذه الخضر من بينهم وقتله، وهنا غضب موسى - عليه السلام - أشدَّ الغضب، وحزن على موت هذا الغلام، فقال منكرا على الخضر {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} !
قال صاحب الظلال:"وإذا كانت الأولى خرق سفينة واحتمال غرق من فيها؛ فهذه قتل نفس، قتل عمد لا مجرد احتمال، وهي فظيعة كبرى لم يستطع موسى أن يصبر عليها على الرغم من تذكره لوعده: {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} ."
فليس ناسيًا في هذه المرة؛ ولكنه قاصد، قاصد أن ينكر هذا النكر الذي لا يصبر على وقوعه ولا يتأول له أسبابا؛ والغلام في نظره بريء، لم يرتكب ما يوجب القتل، بل لم يبلغ الحُلُم حتى يكون مؤاخذًا على ما يصدر منه." [1] ."
{قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} : زكية طاهرة لم تذنب، بريئةً لم تُجرِمْ!
{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} أي: فظيعًا منكرًا لا يعرف في الشرع، قيل: معناه: أنكر من الأمر الأوّل لكون القتل لا يمكن تداركه، بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن تداركه بإرجاعه، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) } زاد هنا لفظ «لك» ، لأن سبب العتاب أكثر، وموجبه أقوى، وقيل: زاد لفظ «لك» لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني، ولأنه سبق له أن قال له ذلك، فبادر موسى - عليه السلام - بالاعتذار فقال {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي: بعد هذه المرة، {فَلَا تُصَاحِبْنِي} أي: لا تجعلني صاحبًا لك،"نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ولذا قال: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} يريد أنك قد أعذرت حيث خالفتك، وهذا كلام نادم شديد الندامة، اضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف". [2]
إقامة الجدار في قرية اللئام!
قال تعالى {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) }
لقد انطلقا حتى أتيا أهل هذه القرية، وقد استبدَّ بهما الجوعُ فاضطُرَّا إلا استطعامِ أهلِها، فإذا هُمْ أشحةٌ لئامٌ، أبوا أن يضيفوهما، مع ما عندهم من سَعةٍ، وهنا ينصرفُ الخضر إلى أداء
(1) - في ظلال القرآن 15/ 106
(2) - فتح القدير للشوكاني 3/ 432