فهرس الكتاب
المعنى الإجمالي
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) } فما جوابي عن سؤالكم إلا من الذكر الحكيم، فهل من متأملٍ ومعتبِر؟
جاءت القصة جوابا عن سؤالهم عن شأن هذا الرجل الصالح الذي مكّن الله تعالى له في الأرض، وأعطاه العلم والحكمة وألبسه ثياب العز وتاج الوقار والهيبة.
أما اسمه فقد اختلف المفسرون فيه على أقوال كثيرة منهم من قال هو الإسكندر المقدوني ومنهم من زعم أنه قورش الفارسي أو دارا الفارسي أو أفريقس أو ملك من ملوك اليمن أو ابن فرعون مصر، والمتأمل في هذه الأقوال وما استندت إليه يجدُها لا أصل لها في الكتاب أو السنة، كما أنها مبنية على الظن والاحتمال، فضلا عن أن ذا القرنين كان مؤمنا موحدا.
والذي يتجلى لنا من خلال حديث القرآن عنه أنه ملك مؤمن على علمٍ وصلاحٍ مكَّن الله له فسعى جاهدا ومتجرِّدا لنشر الحق والعدل.
والذي يعنينا أن نتدبر في قصته، ونستخلص منها الدروس والعبر في الدعوة والإصلاح والقيادة والإدارة والسياسة والقضاء.
ثم إن السؤال ليس عن شخص ذي القرنين وإنما عن حياته وجهاده وأمجاده.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) } : مكّن الله له في الأرض ووهبه أسباب النصر والتمكين وأصول السياسة وفنون التدبير، فأحسن استغلال هذه المنحِ والمواهبِ على أتمِّ وجهٍ، بل جعلها ركيزةً ومنطلقا إلى ريادةِ الكون بالعلم والإيمان، والعدل والإحسان.
مكَّن له صاحبُ العظمة والسلطان تمكينا عظيما في أنحاء المعمورة، وآتاه من الأسباب ما يحتاج إليه في توطيد ملكه وبسط سلطانه وكبتِ أعدائِهِ وتحقيق مراده.
والسبب: هو الوسيلة التي يُتوصَّل بها إلى المطلوب.
قال ابن عباس: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} عِلْمًا يتسبب به إِلى ما يريد، وقيل: هو العِلْم بالطُّرق والمسالك [1] .
{فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) } أي: سلك وسار طريقا يوصلُهُ إلى المقصود، وأخذ بكلِّ ما أمكنه تحصيله من علومٍ، وتتبع السبلَ والوسائل التي تعينه على تحقيق أهدافه وطموحاته في الدعوة والإصلاح ونشر العدالة والرحمة في شتى الأرجاء، فلم يكن ما قام به ذو القرنين من خوارق العادات بل
(1) - زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 5/ 185