فهرس الكتاب
كان تمكينه من منطلق الأخذ بالأسباب، وفق نواميس الكون، حيث هداه الله للأسباب ووفقه إليها.
1 -الرحلة إلى المغرب
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) }
بلغ بجنوده أقصى الغرب مستعينا بما هيأه الله له من أسبابٍ، حتى شاهد غروبها (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) عين ماء ذات حمأة، وقرئ (فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ) يعني أنها تغرب في عين ماء حارّة.
جمعت بين كونها حمئة وبين حرارتها. [1]
والمقصود بقوله تغرب في عين حمئة أي كما ترى العين لا في الحقيقة إذ الشمس لا تغرب في الماء وإنما يبدو ذلك للناظر.
{وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) } : لما تمكن منهم، وخُيِّرَ في شأنهم: كان حَكَمَا مقسِطا، إذ حكم على من بقي على الظلم بالعذاب، وعلى من اختار طريق الهداية بالخير والإحسان،"فقال {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) } : {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ذكر جزاء الله له في الآخرة {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} أي الجنة، ثم أتبع ذلك بإحسانه له في الدنيا بقوله {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} أي لا نقول له ما يتكلفه مما هو شاق عليه، أي قولًا ذا يسر وسهولة كما قال قولًا ميسورًا، ولما ذكر ما أعد الله له من الحسنى جزاء لم يناسب أن يذكر جزاءه بالفعل بل اقتصر على القول أدبًا مع الله تعالى، وإن كان يعلم أنه يحسن إليه فعلًا وقولًا."
وفي تخيير ذي القرنين رحمه الله بين أن يعذبهم وبين أن يتخذ فيهم حسنا، ما يدل على ما كانوا عليه من ظلمٍ بيِّنٍ، وصدٍّ عن الحق، مما يستوجبُ معاقبتَهم.
(1) - ... قرأ ابن عاصم وعامر وحمزة والكسائي"حامية"أي حارة، والباقون"حمئة"أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء، تقول: حمأت البئر حمأ (بالتسكين) إذا نزعت حمأتها، وحمئت البئر حمأ (بالتحريك) كثرت حمأتها، ويجوز أن تكون"حامية"من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين فيقال: كانت حارة وذات حمأة. النشر في القراءات العشر 2/ 314 والسبعة 398.