الصفحة 92 من 109

لذا قال {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) } وجاء التعبير بسوف: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} للدلالةِ على إمهاله لهم حتى تقام عليهم الحجج، فإن هم أصروا على كفرهم وظلمهم فقد استوجبوا العقاب.

وقوله {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} أي يوم القيامة فيعذبه العذاب الشديد الأليم.

قال البقاعي:" {عَذَابًا نُكْرًا} أي شديد النكارة لأن العقل يحارُ في أمره لأنه لم ير مثله ولا قريبًا منه ليعتبره به" [1] .

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} وأما من تاب وآمن وعمل صالحا فله الحسنى جزاءً، أي يستحقُّ البشارةَ بها فضلا عن حسن معاملته في الدنيا، وسنقول له من أمرنا يسرا: فهو أهلٌ لكلِّ فضل وسماحةٍ.

قال الرازي:" {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل الميسر من الزكاة والخراج وغيرهما؛"، ذلك أنه إذا دخل في دين الله عز وجل يلقى في رحابه اليسر والسماحة، وهذه سياسةُ العدلِ والإنصافِ" [2] ."

"فالمؤمن المستقيم يجد الكرامة والودَّ والقربَ من الحاكم العادل، ويكون من بطانته وموضع عطفه وثقته ورعاية مصالحه وتيسير أموره."

أما المعتدي المتجاوز للحدّ، المنحرف الذي يريد الفساد في الأرض فسيلقى العذاب الرادع من الحاكم المقسِطِ في الدنيا، ثم يردُّ إلى ربه يوم القيامة ليلقى العقوبة الأنكى بما اقترفت يداه في حياته الأولى" [3] ."

"... وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسنًا، ومكانًا كريمًا وعونًا وتيسيرًا؛ ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة. . عندئذ يجد الناس ما يحفّزهم إلى الصلاح والاستقامة والجد والاجتهاد، أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة؛ وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون؛ فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد. ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد. [4] ."

(1) - نظم الدرر للبقاعي 4/ 502 بتصرف

(2) - التفسير الكبير للرازي 21/ 168

(3) - مباحث في التفسير الموضوعي تأليف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم ص 305

(4) - ... في ظلال القرآن 16/ 12 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت