فهرس الكتاب
2 -الرحلة إلى أقصى الشرق
بعد رحلةٍ ناجحةٍ بلغ فيها ذو القرنين أقصى الغرب، سلك طريقا آخر إلى أقصى الشرق ليواصل مسيرته في حمل بشائر الخير ونشر مشاعل النور.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) } الكهف: 90 - 92
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} أي: طريقًا آخر غير الطريق الأولى وهي التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى المشرق.
قال ابن عطية:"وقوله {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطرقَ المؤديةَ إلى مقصِدِهِ، وكان ذو القرنين، على ما وقع في كتب التواريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، والإعداد الموفي، والحزم المستيقظ المتقد، والتأييد المتواصل، وتقوى الله عز وجل، فما لقي أمة ولا مرَّ بمدينة إلا دانت له، ودخلت في طاعته، وكل من عارضَهُ أو توقف عن أمره جعله عظةً وآيةً لغيره" [1]
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) } أي: أقصى الشرق وجدها تطلع على قوم ليس لهم ما يسترهم، لا من البيوت ولا من اللباس، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة؛ قيل: لأنهم بأرض لا يمكن أن يستقرّ عليها البناء، أو لما هم عليه من بداوةٍ، وخلوٍّ من جميع مظاهر التمدُّن والرقيِّ.
ولا بدّ أنه رحمه الله - وقد حمل مشاعل النور وراية الإصلاح - قد ارتقى بتلك البلاد ونهض بها وألحقها بركب الحضارة، فرسالة المؤمن رسالة تنوير وتحرير، رسالة إصلاح وتعمير، رسالة نهوض وتطوير.
{كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) } أي لا يعزب ذو القرنين وجيوشُه عن علمنا مهما بلغوا من أصقاع بعيدة وبلادٍ نائيةٍ، ولا يخفى علينا تدبيره وسياسته، فهو مهما شرَّق أو غرَّب، في محيط ملكِ الله الواسع وسلطانه العظيم وتحت قهره وإرادته، وكلِّ هذه البلاد البعيدة التي وصلها ذو القرنين: يعلمها الله تعالى فلا يخفى عليه من أحوالها خافيةٌ، وقد أحاط ربُّ العالمين خبرا بما لدى ذي القرنين من مواهب وملكات وطاقات وإمكانات تؤهله لارتياد الأقطارِ قائدا مظفرا وحاكما عادلا.
(1) - ... المحرر الوجيز لابن عطية 3/ 540