فهرس الكتاب
فلما بلغ بلاد الشرق الأقصى قضى فيهم بعدله وحكمته كما قضى فيمن سبقهم من أهل الغرب، حيث دعاهم لدعوة الحق وأقام عليهم الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، ثم عاقب أهل الكفر والطغيان وسالَم أهل الحقِّ وكرَّمهم وقربهم وبشَّرهم بما عند الله من ثواب عظيم.
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) } فلا يزال يرتقي سُلَّمَ النهوض والتقدم، ويجتهد في الأخذ بالأسباب وتنميتها، وفي تكرار هذه العبارة: ما يدلُّ على حرص هذا القائد الرباني على الأخذ بالأسباب واجتهاده في تحصيلها وتطويرها وتطويعها لتحقيق الهدف، ونيل المراد.
3 -الرحلة الثالثة
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) } الكهف: 90 - 98
بعد أن ساهم في نهوض هذه الشعوب البدائية الفقيرة وتنويرها، توجَّه بهذا الخير إلى موضعٍ عبَّر عنه القرآن بأنه بين السدين، منطقة يحيط بها جبلان شاهقان وَعِرانِ، حيث يتسلل المفسدون من قوم يأجوج ومأجوج إلى البلاد المجاورة، ينهبون ثرواتها ويعيثون فيها فسادا، فطلب أولئك المستضعفون المنكوبون من ذي القرنين أن يحميهم من أولئك المعتدين، واقترحوا عليه أن يبني سدا منيعا يحجزهم، على أن يجمعوا له ما يشاء من أموال وثروات، وفي هذا ما يدل على ثقتهم في أمانته وقدراته.
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)
وقوله {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} وجد ذو القرنين من دون السدّين قوما لا يكادون يفقهون قول قائل سوى كلامهم، ولا يكادون يُفقِهون أحدا قولهم، مع ذلك تمكن من معرفة مطالبهم وفهمهم وتفهيمهم، بفضل ما وهبه الله تعالى من أسبابٍ. [1] .
(1) - ... جامع البيان للطبري 18/ 103، قرأ حمزة والكسائي وخَلَف بضمّ الياء وكسر القاف: (يُفقِهون) من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها: إذا فهمته ذلك، والباقون بفتح القاف والياء (?) ، من فقَه الرجل يفقَه فقها. النشر في القراءات العشر 2/ 315 والغاية في القراءات العشر 199 والسبعة ص 399