الصفحة 95 من 109

قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السدِّ، وأجرة بنائه ليحميهم من أولئك المفسدين.

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) }

أجابهم هذا القائد الزاهد والإمامُ الراشد إلى مطلبهم دون مقابلٍ، فهو صاحب رسالة إصلاح يؤديها في ربوع الكون، فهل يطمح في أعراض الدنيا الزائلة أم يجنح إلى هممٍ قاصرة، وقد وهبه الله تعالى من العلم والتمكين والفهم والتوفيق ما زاده طاعة وانقيادا وعزما واجتهادا في غرس بذور الخير أينما حلَّ.

قال الإمام الطبري:"قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السدّ بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطّأه لي، وقوّانى عليه، خير من جُعلكم، والأجرة التي تعرضونها عليّ لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوة، أعينوني بفَعَلة وصُنَّاعٍ يُحسنون البناء والعمل." [1] .

وقوله: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) يقول: أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردما، والردم: هو الحاجز، وهو أمنع من السدّ وأشدّ.

جمع إلى جانب العلم النافع والخبرة الدقيقة والمهارة الفائقة والإمكانات الهائلة التواضعَ الرفيعَ والإيمانَ العميقَ والنفْسَ الراضية العفيفةَ، والأياديَ السخيةَ النظيفةَ، والأريحية والشَّهامة: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) } .

لم يستغل حاجتهم في تجريدهم من الممتلكات والثروات، كما تفعله في عصرنا الحاضر الأمم الغالبة"المتحضرة"مع الشعوب المقهورة"النامية"من نهب ثرواتهم وحصد خيراتهم وجني ثمارهم! والتآمر على بقائهم تحت وطأة الجهلِ ونير الاستبداد.

ما فعل ذو القرنين كما تفعل تلك الدول التي ترهق الشعوب الفقيرة بالديون المركَّبة، تطوِّقُ بها أعناقهم وتُلهب بها ظهورَهم، وتنتزعُ ولاءَهم وخنوعهم! وترغِمُ أنوفَهم.

{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) }

(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا) أي جيئوني بِزُبَرِ الحديد، وهي جمع زُبْرة، والزُّبْرة: القطعة من الحديد.

(1) - ... جامع البيان للطبري 18/ 113

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت