فهرس الكتاب
ومن نماذج ذلك خبر يورده الاصبهاني حول غناء امرأة جُرْهمية في المسجد الحرام، يقول الراوي: (( إنّ الناس بينا هم في ليلة ٍ مُقمرة في المسجد الحرام، إذ بصروا بشخص ٍ قد اقبل كأنّ قامته رمح، فهربوا من بين يديه وهابوه؛ فأقبل حتى طاف بالبيت الحرام سبعًا ثم وقف فتمثل:
كأنْ لم يكنْ بينَ الحجونِ إلى الصفَا ... أنيسٌ ولمْ يسمُرْ بمكّة سامرُ
فأتاه رجل من اهل مكة؛ فوقف بعيدًا منه ثم قال: سألتك بالذي خلقك أجنيٌّ أنت أم إنسيّ؟ فقال: بل إنسيّ، أنا امرأة من جُرْهم، كنا سكان هذه الارض واهلها، فأزالنا عنها هذا الزمان الذي يُبلى كل جديد ويغيره! ثم انصرفت .. )) [1] .
تتولى الشخصية مهمة التعريف بذاتها وتكشف عن لثام هويتها التي ظلت خفية على بقية شخصيات الخبر المرتابة في امرها، ليكون الحوار هو الوسيلة للتعرف عليها والتصريح بفلسفة خاصة تؤمن بها وهي ان الحياة لا تدوم لأحد وهي في تبدّل وتغيّر على الدوام.
ومن الطرق التمثيلية لتقديم الشخصية ما نقرأه في خبر وفود الاحرار من سادات العرب على سيف بن ذي يزن يهنئونه بالملك، يقول الراوي: (( فبدأ عبد المطلب فاستأذن في الكلام، فقال له سيف بن ذي يزن: إنْ كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنًا لك، فقال عبد المطلب: إنّ الله قد أحلك أيّها الملك محلا ً رفيعًا، صعبًا منيعًا، .. فأنت ـ أبيت اللعن ـ ملكُ العرب .. ومعقلها الذي يلجأ العباد، فسلفك لنا خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف .. نحن اهل حرم الله وسدنة بيته، اشخصنا اليك الذي ابهجنا؛ لكشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفود التهنية لا وفود
(1) - الاغاني: 15/ 24 - 25.