الصفحة 177 من 248

ما يريد انشاده، وهي من ثَمَّ حركاتٌ هزلية تصدر من قبل رجل أعمى ضخم قبيح.

ولعل هذا القبح الذي ابتليَ به بشار جعله يتمنى أنْ يكون جميلًا بقدر ما يراه الاخرون قبيحًا، لذا كان ينعت نفسه بأحلى الاوصاف وأقومها، وهذا بدوره مما يثير الضحك ايضًا للفرق الكبير بين الحقيقة والوصف، يقول: (( والله إنّي لطويل القامة عظيم الهامة تام الالواح اسجح [1] الخدين ) ) [2] .

ومن فكاهيات بشار ما يرويه الاصبهاني عنه حين مرّ به قوم قد حملوا على اكتافهم جنازة، فكان مرورهم سريعًا فقال: (( مالهم مسرعين! أتراهم سرقوه فهم يخافون أنْ يُلحقوا فيؤخذ منهم ) ) [3] ، ولعل ما صدر من حاملي الجنازة ليس فعلًا مضحكًا إلا أنّ بشّار تصيّد (سرعتهم) ليلقي مزحة من مزحاته ويتندر على من حوله.

وأبو دُلامة واحد من شخصيات الاغاني التي انمازت هي الاخرى بالظرافة والهزل، يقول عنه الاصبهاني: (( وهو كوفيٌّ أسود مولى لبني أسد ... وكان فاسد الدين، رديء المذهب، مرتكبًا للمحارم، مضيّعًا للفرض مجاهرًا بذلك ) ) [4] .

بمثل هذا التقديم لأبي دُلامة يهيئ الاصبهاني نفس القارئ لتلقي أخبار هذه الشخصية وفجورها، وتندّرها ,وقد كان ابو دُلامة يتخذ من الفكاهة وسيلة للاحتيال على المنصور العباسي لنيل ما يريد، من ذلك مايرويه ابو الفرج عنه قائلًا: (( كان

(1) - اسجح: الحسن المعتدل، ينظر لسان العرب: 2/ 475، مادة (سجح) .

(2) - الاغاني: 3/ 138.

(3) - الاغاني: 3/ 161.

(4) - م. ن: 10/ 235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت