الصفحة 178 من 248

ابو دُلامة بين يدي المنصور واقفًا .. فقال له: سَلْني حاجتك. قال أبو دُلامة: كلبٌ أتصيّد به. قال أعطوهُ اياه. قال: وداَبةًٌ أتصيّد عليها. قال. اعطوهُ. قال: وغلامٌ يصيد بالكلب ويقوده. قال: أعطوهُ غلامًا. قال: وجارية تُصلح لنا الصيد وتُطعمنا منه. قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك فلا بُدّ لهم من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارًا تجمعهم. قال: فإنْ لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون! قال قد اعطيتك مئة جريب [1] عامرة ومئة جريب غامرة. وقال: وما الغامرة؟ قال: مالانبات فيه. فقال: قد أقطعتك انا يا أمير المؤمنين خمسمئة الف جريب غامرة من فيافي بني اسد. فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرة )) [2] .

بهزلٍ ودعابةٍ تمكن أبو دُلامة من الحصول على مبتغاه من المنصور ابتداءً بالكلب وانتهاء بالضَيعة .. ومن طرائفه ايضا تلفيقه رؤيا للمنصور واخذه منه ثيابًا، يقول الاصبهاني: (( دخل ابو دُلامة على المنصور فأنشده:

رأيتُكَ في المَنامِ كسوتَ جلدي ... ثيابًا جَمّةً وقضَيتَ ديني

فكانَ بنفسجيُّ الخزِّ فيها ... وسَاجٌ [3] ناعمٌ فأتمّ زيني

فصدِّقْ يافدتَكَ النفس رُؤيا ... رأتهَا في المنامِ كذاكَ عيني

فأمر له بذلك وقال له: لا تعدْ أنْ تتحلم عليَّ ثانية، فأجعل حلمك اضغاثًا ولا احققه )) [4] .

هكذا رسم ابو الفرج شخصياته بريشة فنان مبدع، واصفًا كل شخصية بأوصاف خاصة، مقدمًا إيّاها على وفق ذلك، فما كان منها شخصية معتدلة قويمة

(1) - الجريب: قدر ما يزرع فيه من الارض، ينظر: لسان العرب: 1/ 260، مادة (جرب) .

(2) - الاغاني: 10/ 236.

(3) - ساج: الطيلسان الضخم الغليظ، ينظر لسان العرب: 2/ 302، مادة (ساج) .

(4) - الاغاني: 10/ 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت