الصفحة 37 من 248

ما نقرأه في خبر حُنين الحيري، حين غنّى حفيده لأبي اسحاق ابراهيم بن المهدي، وقص عليه حادثة جدّه حُنين مع ابن سريج، يقول الخبر على لسان راويه ابي اسحاق ابراهيم بن المهدي: (( كنتُ مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عون العبادي، فأتاني عون بابن بلوع، وهو شيخ، فغناني عدّة اصوات لجدّه، فما استحسنها، لأنّ الشيخ كان مشوّه الخلْق، طنّ الغناء .. فغناني صوت ابن سريح:

فَتَرَكْنَهُ جُزْرَ السِّباع ِ يَنُشْنَهُ ... ما بينَ قُلةّ رأسهِ والمعْصم ِ

فقلتُ له: لقد أحسنت في هذا الصوت، وما هو منَ أغاني جدّك، ولا من أغاني بلدك، واني لأعجب من ذلك! فقال لي الشيخ: والصليب والقربان ما صُنع هذا الصوت إلا في منزلنا وفي سرداب لجدي، ولقد كان يأتي على نفس عمتي، فسألته عن الخبر في ذلك: فقال: .. )) [1] .

يُنكر أبو اسحاق على عون أنْ يكون ما سمعه منه هو من أغاني جدّه حُنين، فيأتيه الجواب بالايجاب، إذ يتضح ان الصوت لابن سريج على اثر ذلك تتولى احدى شخصيات الخبر التي تحرك مسار الاحداث دورها في استرجاع الماضي لتقصَّ لنا عون متى وأين صُنع لحن ابن سريج الذي غناه لأبي اسحاق، يقول:

(( حدّثني أبي أنّ عُبيد بن سريج قدم الحيرة ومعه ثلثمئة دينار، فأتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة وقال: انا رجلٌ من اهل الحجاز ... فسأله جدي عن اسمه ونسبه فغيّرهما وانتمى الى بني مخزوم ... فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدي ولا أحد من أهلنا انه يغنّي، حتى انصرف جدّي من دار بشر بن مروان في يوم صائف مع قيام الظهيرة فصار الى باب الدار التي كان انزل ابن سريج فيها ... فلما دخلها رأى ابنتيه وجواريه وقوفًا على باب السرداب وهُنَّ يومئنَ اليه بالسكوت، وتخفيف الوطء، فلم يلتفت الى اشارتهن لما تداخله، الى أنْ سمع ترنم ابن سريج

(1) ـ الاغاني: 2/ 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت