الصفحة 59 من 248

وتمتاز الخلاصةُ بأنّها حركةٌ زمنية تُهيمن بصورة أساسية على صيغة السارد العليم الذي يرى الأحداث من الخارج مجملًا لنا ما يراه مهمًا [1] .

إنّ تلخيص السارد للأحداث وايجازها يأتي به السارد لتحقيق جملة من المنافع النّصيّة والغايات السردية التي تخدم النص وتمضي به نحو الأمام، ولعل أبرز تلك الوظائف هو المرور السريع على سنوات طوال أو شهور عديدة في بضع أسطر أو فقرات [2] ومنه ما نقله الاصبهاني في خبر ابراهيم بن العباس أحد شعراء العصر العباسي، يقول الخبر: (( كان لابراهيم ابنٌ قد يفع وترعرع، وكان معجبًا به فاعتلّ علّةً لم تطل ومات، فرثاه بمراثٍ كثيرة وجزع عليه جزعًا شديدًا .. ) ) [3] .

في هذا الخبر القصصي القصير نلاحظ محدودية حجم النص مقارنة بالزمان الذي يتضمنه في طيّاته، إذ استطاع السارد في هذه الأسطر القليلة أنْ يُجمل لنا حياة ابن ابراهيم، فالسارد لايذكر لنا كيف نشأ ذلك الولد وترعرع في حجر أبيه لأنّه لا يرى فيها اهمية لخبره المسرود، فحياة سنوات من عمر الابن اختصرت في سطرين .. إذ لا يهم الراوي نشأة ذلك الابن بل كل ما يهمه هو ما تركته وفاته من حزنٍ شديدٍ وجزع اثر في قريحة والده الشعرية ليرثيه بمراثٍ حارّة، إذ يستمر الخبر قائلًا:

(( فممّا رثاه به قوله:

كُنتَ السَّوادَ لمُقلتي ... فبََكى عليكَ الناظِرُ

مَنْ شاءَ بعدكَ فليمُتْ ... فعليكَ كنتُ أحاذرُ )) [4] .

(1) - ينظر: بنية السرد في القصص الصوفي: 228.

(2) - ينظر: بناء الرواية، سيزا قاسم: 56.

(3) - الاغاني: 10/ 49.

(4) ـ م. ن والصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت