الصفحة 88 من 248

ومن النماذج الاخرى ما يرويه الاصبهاني في وصف إحدى البساتين التي خرج اليها ابراهيم الموصلي في أرض الحيرة، يقول الخبر على لسان ابراهيم: (( خرجتُ مع الرشيد الى الحيرة، فساعة نزل بها دعا بالغداء فتغدّى ثم نام فاغتنمتُ قائلته فذهبتُ أدور في ظهر الحيرة، فنظرت الى بستان فقصدته فإذا على بابه شاب حسن الوجه، فاستأذنته في الدخول فأذن لي، فدخلتُ فإذا جنة من الجنان في أحسن تربة وأغزرها ماءً، فخرجتُ فقلت له: لمن هذا البستان؟ فقال: لبعض الأشاعثة ) ) [1] .

يستوقف جمال البستان ونضارته انتباه ابراهيم فيصفه بعبارةٍ موجزةٍ ضمنّها معانٍ كثيرة ولعل خير الوصف ما قلّ ودلّ، إذ اكتفى الراوي بوصف البستان بأنّه جنة من الجنان التي يرتاح اليها الناظر ويأنس فيها الجالس.

وبمثل هذه الاوصاف سعى الاصبهاني في أكثر من موضع في أخباره الى إتحاف القارئ والانطلاق به إزاء عوالمٍ يرصدها له الراوي، مفعمًا نصوصه بالحركة والحياة مضفيًا عليها في الوقت نفسه مسحة واقعية ذاتَ بناءٍ فني بأسلوبٍ أدبي رصين [2] .

ولعل في الوصف الذي اورده الاصبهاني بمختلف اشكاله وتجلياته وسيلة جيدة للتوضيح والتأمل والتعليق من جهة وابراز القدرة الادبية وسعة الحافظة الذهنية للمؤلف من جهة اخرى، وقد كانت اوصاف الاصبهاني وهو يعرض لشخصياته من الجانب الجسدي اوصافًا ذات بعد سطحي، اذ لم يتعد وصفه لها سوى بيان

(1) 2ـ الاغاني: 5/ 174.

(2) - ينظر مثلًا: 6/ 76، 4/ 116، 23/ 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت