بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور: من الآية11] مع ما كان لهم فيه من الألم الشديد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولزوجه الطاهرة المبرأة من فوق سبع سماوات أم المؤمنين عائشة، ولأفاضل المؤمنين - رضي الله عنهم - وفيهم أفضلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - .. كم كان الألم شديدًا والفتنة عظيمة في أوساط المسلمين .. كانت فتنة أشد من فتنة الأعداء القادمين من خارج البلاد, وكذلك كانت فتنة هؤلاء المنافقين أشد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه من الفتن الأخرى, وكان ذلك خيرًا؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما أوجد البشر -هذه النوعية العجيبة من المخلوقات التي يجتمع في قلوب أفرادها أنواع الإرادات والشهوات والرغبات من الخير والشر حتى في قلوب صفوة هؤلاء البشر- إنما أوجد الله هذا الجنس الإنساني من أجل هذه الصفوة, من أجل وجود هذه الأنواع من العبودية في مقاومة الشر, فالله - عز وجل - كان قادرًا ولم يزل قادرًا على أن يخلق من يعبده لا يشرك به شيئًا طرفة عين، وعلى أن يخلق من يسبح بحمده، ويقدس له، ولا يسفك دمًا، ولا يظلم أنملة، ولا يظلم ذرة كما خلق الملائكة {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .
وتلك عبودية .. ولكن هناك ما هو عند الله - عز وجل - أفضل منها وأحب إليه سبحانه .. من أجل ذلك خلق الشر الذي يكرهه سبحانه وتعالى ونهى عنه وحرمه، ومع ذلك خلقه، وقدره بعلمه وحكمته، وما خرج عن قدرته ولا قضائه وقدره، بل كان ذلك منه سبحانه خلقًا وإيجادًا، وإن كان من أهل الشر فعلًا وتكسبًا .. خلق الله - عز وجل - الأشرار من الجنة ومن الناس, خلق شياطين الإنس والجن, خلقهم ليوجد في عباده المؤمنين من أنواع العبودية ما لا يوجد إلا بوجود أضدادها.
تعجب الملائكة من أن يخلق الله - عز وجل - في الأرض من يسفك الدماء ويفسد فيها قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ