مسيرة سبعين عامًا. رواه النسائي وهو حديثٌ صحيح. هذه أحكامٌ معروفةٌ معلومةٌ في الشريعة. فإذا تحققت في الواقع وقامت على أساس الشريعة وشروطها فكيف يجوز خرمها بعد ذلك؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم: من أمَّن رجلًا على نفسه فقتله أعطيَ لواء الغدر يوم القيامة. رواه أحمد. فهذا الحديث الصحيح يبيّن أن المسلم إذا أعطى أمانًا لرجل فإن قتله يُعتَبَرُ من الغدر والخيانة، ويكون صاحبه حامل لواء غدر يُفضح به على الملأ على رؤوس الأشهاد يوم الدين. وقد جاء بلفظ: من ائتمنه رجلٌ على دمه فقتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول كافرًا. وأيضًا: أيما رجلٍ أمن رجلًا على دمه، فقتله، فقد برئت من القاتل ذمة الله وإن كان المقتول كافرًا. لماذا؟ لأن قضية الغدر والخيانة في الشريعة شأنها خطير. {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} (النساء: من الآية107) . وكذلك فإن القرطبي رحمه الله قال: رُوِيَ أنها نزلت هذه الآية بسبب المؤمنين. لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل بعض من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر ويحتال. فنزلت هذه الآية إلى قوله: {كَفُورٍ} (الحج: من الآية38) . فوعد فيها سبحانه بالمدافعة , ونهى أفصح نهيٍ عن الخيانة و الغدر. وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} (الاسراء: من الآية34) . قال ابن كثير رحمه الله: أي الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه. {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} . وقال عليه الصلاة والسلام في الدعاء: وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة. أي بئس الشيء من الأمر الذي يُستَبْطَن من الأمر ويجعل بطانةً. وقال عليه الصلاة والسلام: قال الله: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر. الحديث. قال ابن تيمية: فذمّ الغادر وكل من شرطَ شرطًا ثم نقضه فقد غدر. وقال صلى الله عليه وسلم وهو يوصي أمير الجيش. كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا. ثم قال: اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا. الحديث رواه مسلم وفيه تحريم الغدر. وقد قال عليه الصلاة والسلام: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادرٍ لواء. فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان. متفق عليه.
فلو جلب إنسانٌ مسلمٌ إلى بلاد المسلمين رجلًا كافرًا لسبب في تجارةٍ أو إقامة صناعةٍ ونحو ذلك من حاجة المسلمين بإذن إمام المسلمين، فهذا الجلب بهذا الإذن وهذا الإدخال يكون أمانًا له. فلا يجوز الغدر به وخرق هذا الأمان أبدًا. لأن ذمة المسلمين واحدة كما قال عليه الصلاة والسلام: ذمة المسلمين واحدة. فما دام قد جيء به باختيار المسلمين، ولمصلحة المسلمين فلا يجوز الغدر به. ولذلك فرّق العلماء بين من يتسلل إلى بلاد المسلمين من الكفّار، أو يأتي عينًا وجاسوسًا للكفار ويتظاهر بالإسلام أو لا يتظاهر. فهذا حكمه يختلف عن حكم من جيء به عيانًا، وأُعطِيَ الأمان صراحةً , ونصّ له على ذلك، وقدمت له الدعوة، وجاء به بأمان مسلمٍ. لأنه قال في الحديث: ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ. رواه البخاري ومسلم. ومنه تعلم الفرق بين من جيء به بإذن المسلمين ولمصلحة المسلمين، وبين من جاء من