وليس حظُّ القلْبِالعامِرِ بمحبَّةِ الله ،وخشْيَتِهِ ، والرغبَةِ فيه ،وإجلالِهِ وتعظيمِهِ من الصَّلاة ،كحَظِّ القلبِ الخالي الخراب من ذلك، فإذَا وَقَفَ الإثنان بين يَدَيالله في الصَّلاة ؛ وقَفَ هذا بقَلبٍمُخْبِتٍ خاشِعٍ له ، قريبٍ منْهُ ،سليمٍ من معارضات السُّوء ، قدامتلأتْ أرجَاؤه بالهَيْبَةِ ،وسَطَعَ فيه نُورُ الإيمان ، وكَشَفَعنْهُ حجاب النفس ودُخان الشَّهوات ،فيَرْتَعُ في رياضِ معاني القرآن ،وخالَطَ قلْبُهُ بشَاشَةَ الإيمانِبحقائِق الأسْماء والصِّفات ،وعلوِّها وجمالِها ، وكمالِهاالأعْظم ، وتفرُّدِ الربِّ سبحانهبنعوتِ جلالِهِ ، وصفاتِ كمالِهِ ؛فاجْتَمَعَ همُّهُ على الله ،وقرَّتْ عينُهُ بِهِ ، وأحسَّبقُرْبِهِ منَ اللهِ قُرْبًا لانظيرَ له ؛ فَفَرَّغَ قَلْبَهُ له ،وأَقْبَلَ عَلَيْهِ بكُلِّيَّتِهِوهذا الإقبالُ منه بين إقبالَيْن منرَبّهِ ، فإنَّهُ سُبْحَانَهُأقْبَلَ عليه أوَّلًا ، فانْجَذَبَقَلْبُهُ إليه بإقْبالِهِ ، فلمَّاأقْبَلَ على رَبِّهِ ، حظي منْهُبإقبالٍ آخَرَ أتمّ من الأَوَّل.
وهَهُنا عجيبةٌ من عَجَائِب الأسماءوالصِّفات تحصلُ لِمَنْ تفقَّهَقلبُهُ في معاني القرآنِ ، وخالَطَبشاشَةَ الإيمانِ بها قلبه ،بحيثُيرى لكلِّ اسمٍ وصِفَةٍ موضِعًا منصلاته ، ومحلاًّ منها .
فإنّه إذا انْتَصَبَ قائِمًا بينيديّ الربِّ تبارك وتعالى ، شاهدَبقَلْبِه قيُّوميَّتَهُ . فيقومبقلبه الوقوفُ بين يدي عظيمٍ جليلٍكبيرٍ ، أكبرُ منْ كلِّ شيء ، وأجلّمن كلّ شيء ، وأعظمُ منْ كلِّ شيء ،تلاشتْ في كبريائه السماواتُ وماأظلّتْ ، والأرضُ وما أقلّت ،والعوالمُ كلُّها ؛ عَنَتْ لهالوجوهُ ، وخضعتْ له الرقابُ ،وذلّتْ له الجبابرةُ .