فهرس الكتاب
الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاته وليست إلا هو (إلى أن قال: هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات) .
فيقال لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثًا غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره وليس هو ثالث، فالعبد يعرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق - جل جلاله- يميز بين نفسه وبين مخلوقاته ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنًا وظاهرًا.
وأما هؤلاء الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم - وهو أحذقهم في اتحادهم- لما قرئ عليه الفصوص، فقيل له: القرآن يخالف فصوصكم. فقال: القرآن كله شرك، وإنما لتوحيد في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحدًا فلم كانت الزوجة حلالًا والأخت حرامًا؟ فقال: الكل عندنا حلال ولكن هؤلاء المحجوبون، قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.
وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر، فإن الوجود إذا كان واحدًا فمن المحجوب ومن الحاجب؟ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده: من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب. فقال له مريده: فمن هو الذي يكذب؟ وقالوا لآخر: هذه مظاهر. فقال لهم: المظاهر غير الظاهر، أم هي؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة، وإن كانت إياها فلا فرق.
وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر، وبينا حقيقة قول كل واحد منهم، وأن صاحب الفصوص يقول المعدوم شيء، ووجود الحق فاض عليه، فيفرق بين الوجود والثبوت. والمعتزلة الذين قالوا: المعدوم شيء ثابت في الخارج، مع ضلالهم، خير منه. فإن أولئك قالوا: إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودًا ليس هو وجود الرب. وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليه، فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق، وصاحبه الصدر القونوي يفرق بين المطلق والمعين لأنه كان أقرب إلى الفلسفة فلم يقر بأن المعدوم شيء، لكن جعل الحق هو