الصفحة 63 من 109

وخبرهم أصدق من خبر غيرهم، والأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته، لا بما يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول ويمتنع أن يكون في إخبار الرسول ما يناقض صريح العقول ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان: سواء كانا عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا فكيف بمن ادعى كشفًا يناقض صريح الشرع والعقل؟

وهؤلاء قد لا يتعمدون الكذب لكن يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج، وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين وتكون من تلبيسات الشياطين.

وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء ويذكرون أن النبوة لم تنقطع، كما يذكر عن ابن سبعين وغيره، ويجعلون المراتب ثلاثة، يقولون: العبد يشهد أولًا طاعة معصية، ثم طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، والشهود الأول هو الشهود الصحيح وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأما الشهود الثاني فيريدون به شهود القدر، كما أن بعض هؤلاء يقول: أنا كافر برب يعصى، وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التي هي المشيئة. والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة، ويقول شاعرهم:

أصبحت منفعلًا لما تختاره مني ففعلي كله طاعات

ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، فإن المعصية التي يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله، كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) } [النساء: 13 - 14] ، وسنذكر الفرق بين الإرادة الكونية والدينية والأمر الكوني والديني.

وكانت هذه المسألة قد اشتبهت على طائفة من الصوفية، فبينها الجنيد - رحمه الله- لهم، من اتبع الجنيد فيها كان على السداد ومن خالفه ضل، لأنهم تكلموا في أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت