فهرس الكتاب
وقد حاول المأمون ـ عبثًا ـ أن يسترضي الشيعة لما رأي انتفاضاتهم أدت إلى تفسخ الدولة وانقسام المسلمين إلى شيع وأحزاب يضرب بعضها وجوه بعض . وبلغ من حرص المأمون على وحدة الأمة أن عهد بولاية عهده إلى الإمام علي الرضا ـ أحد الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية ـ ويعزو الدكتور جمال سرور في كتابه ( الحياة السياسية في الدول الإسلامية ) تصرف المأمون إلى عدة عوامل منها: أن المأمون نشأ منذ نعومة أظفاره في بيئة فارسية ، فأمه"مراجل"فارسية الأصل ، كما أشرف على تربيته في أول الأمر"جعفر البرمكي"، ثم انتقل إلى"الفضل بن سهل"ـ وهما فارسيان يجري التشيع في عروقهما ـ ومن بين العوامل التي حملت المأمون على أخذ البيعة لعلي الرضا أنه كان قد استعرض الفتن التي قامت في الدولة الإسلامية منذ عهد علي بن أبي طالب إلى يومه ، فرآها فرقت كلمة المسلمين ، على حين كان من الواجب عليهم أن يتحدوا ويتركوا التنافس على الخلافة جانبًا ويصرفوا جهودهم إلى تنظيم أمورهم الداخلية والخارجية ، ولو ساروا في هذا السبيل لأصبحوا قوة لا يستهان بها ولتوطدت سلطتهم في البلاد التي فتحوها ، لكن هذا التنازع بين البيتين العباسي والعلوي قطع من أوصال الدولة الإسلامية ، وشغل الخلفاء بإخماد ثورات الشيعة العلويين عن القيام بإصلاح حال المسلين ، فرأى المأمون إزاء هذه الحال أنه من الخير أن يفتح الطريق أمام البيتين العباسي والعلوي ، فيختار أحسنهما ، وبذلك يتيسر لهذين البيتين التعاون لمصلحة المسلمين ، لكن غاب عن المأمون أن الخلاف لا ينقطع بهذا الحل ، وأن عصبية كل من العلويين والعباسيين لبيتهم مصدر إثارة الفتن والقلاقل .