فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 136

كانت المجتمعات الإسلامية ـ بعد عصر الخلفاء الراشدين ـ تفور بأشتات من المذاهب والأفكار، التي أعلنها الشيعة والخوارج والعثمانية والمرجئة والمعتزلة ، وأخذ كل فريق يشحذ أسلحته لكسب الأشياع والمؤيدين على أمل أن تتاح له فرصة السيادة والقيادة وكانت الأفكار ـ عند نشأتها سياسة بحتة تدور حول مشكلة الحكم ، ولكن سرعان ما لبثت هذه الأفكار مسوحًا دينيًا فاختلطت الاجتهادات السياسية بالمباحث اللاهوتية ، وامتزجت مشكلة الخلافة والإمامة بمسائل القضاء والقدر والجبر والاختيا، وكان هذا متوقعًا بالنسبة لدين ينظم شؤون العقيدة الدينية والحياة الدنيوية، فلما حدثت الفتوحات الكبرى ودخل الإسلام بلادًا ذات حضارات وأديان قديمة، وجد المسلمون الفاتحون أنفسهم أمام أشتات من العقائد والمذاهب والفلسفات لم يكن لهم بها سابق عهد، وكان أمرًا محتومًا أن تحدث المواجهة بين الدين الجديد وهذا التراث القديم، ولم يكن يتمشى مع مبادئ الإسلام ـ وهو دين يقرر حرية العقيدة وينبذ الإكراه، كما يقرر أسلوب الحوار والجدال مع المخالفين ـ أن تحدث هذه المواجهة عن طريق العنف. ولذلك وجدت التيارات المخالفة المناخ المناسب لكي تعبر عن نفسها، وكان العراق هو المسرح الرئيسي الذي دارت عليه ملحمة الصراع الفكري ، فالعراق بلد قديم كانت أرضه مهدًا للديانات والمذاهب الفلسفية: غنوصية وزرادشتية ومزدكية ومانوية، فضلًا عن المؤثرات الهندية واليونانية ، فلما غلب الإسلام على العراق واعتنقه سكانه الأصليون ـ سواء عن إيمان حقيقي أو نفاق خفي ـ بقيت في نفوسهم آثر من معتقداتهم القديمة اختلطت بالدين الجديد، ونشأ من كل ذلك مذاهب جديدة وأفكار مستحدثة ما لبثت أن تجسدت في شكل أحزاب وفرق وتنظيمات مسلحة، كلها يتطلع إلى الحكم حسب رؤيته الجديدة التي تأثرت بالقديم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت