فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 136

ومنذ ذلك الحين بدأ تنظيم علمي لأهل الحديث في مصر ، وكان نواة لما سمي فيما بعد ( أهل السنة والجماعة) وكان عليهم أن يقودوا الحركة المحافظة ـ ويمثلها غالبية المسلمين ـ قيادة حكيمة ماهرة تتمشى ومبدأهم ، وتحمي حركتهم من القضايا الفكرية المتطرفة التي نشأت وليدة نزاع حزبي طارئ بين فئات متعددة النزعات والثقافات في داخل المحيط الإسلامي ، وأدرك التيار السني في مصر كلما واصل سيره في خلال العصور ، أن الموقف الوسط في كثير من هذه القضايا أدعى إلى جمع الكلمة وضم الصفوف ، بل هو روح الإسلام كما يتجلى في نصوص القرآن الكريم ، ولم يمنعهم مبدأ تأييد السلطة الشرعية من أن يقفوا موقف الرقيب الناصح والناقد ، يرشدونها إلى الحق والخير ، وينقدون سياستها .

فأنت ترى من هذا العرض التاريخي لبدايات التيار السني في مصر، أنه كان تيارًا علميًا بالدرجة الأولى ، ومرتبطًا بعلوم الدين من تفسير وحديث وفقه وتاريخ ، ولم ينغمس في لجة الصراعات المذهبية والخلافات الدموية التي اجتاحت العالم الإسلامي في ذلك العصر ، لذلك أفرخت هذه المرحلة المبكرة رعيلًا من العلماء والفقهاء والمحدثين والمؤرخين ، بينما نضبت عن تخريج علماء في الفلسفة ( علم الكلام ) كما كان الحال في العراق على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما من شيوخ المعتزلة ، كذلك لا تجد في تاريخ المصريين المسلمين زعماء يقودون حركات الانقضاض والثورات كما هو الحال عند زعماء الشيعة والخوارج، ولا نجد في تاريخ الفكر الإسلامي المصري تلك النحل التي مالت إلى البدع المنحرفة والعقائد المشبوهة فجنحت إلى الضلال والزيغ والزلل . وإنما تجد صفاء في العقيدة ، وبساطة في التدين ، ونقاء في الضمائر والسرائر . الأمر الذي يدعونا إلى البحث عن جذور هذه الظاهرة في مكونات الشخصية المصرية التي تنامت عبر آلاف السنين ، وكان لها طابعها الخاص في فهم الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت