فهرس الكتاب
السماء متلبدة بالغيوم الداكنة النجوم تختفي تارة، وتظهر تارة، ليل البادية بارد في فصل الخريف، من خلف الغيوم يظهر القمر ثم يختفي، يشق صمت الليل أذان الفجر، نهضت فطوم ارتدت ثوبها الطويل، جلست أمام وعاء الماء النحاسي، غسلت يديها ووجهها، بسملت ثم بدأت بأسماء الله الحسنى"لامست خده بلطف هيا يا بني: قبل أن يسبقنا الآخرون، المراعي بعيدة؛ تململ في فراشه الدافئ، تابعت: علينا أن نجمع بقايا قش القمح... فتح عينيه، الفجر في أوله يا أمي:"عين أمك دعنا نصل قبل أن تسبقنا أم منهل وابنتاها"أنهضت شقاءها مدت خطواتها، ظهرها ينوء بثقل السنين لزمن أتعب صباها وترك تجاعيده على وجهها النضر، نظرة حزن تنكسر في عينيها الخضراوين، أحس أنهما وحيدان في بادية من الفقر لا شيء حولهما إلا صفير الريح الصباحية، وعواء كلاب المراعي، ارتدى جلابيته، قالت بحزن: سأشتري لك جلابية جديدة إن شاء الله/ بدت الجلابية وقد غزتها رقع لا تتشابه ألوانها الكالحة وضع على ظهر الدابة"الخرج"وحملها أدوات العمل، وقربة الماء و /صرة الطعام المكونة من خبز التنور والتمر واللبن/ رنين جرس"المرياع"وثغاء الغنم جعلهما يسرعان باتجاه الحقول الواسعة.. هيا يا بني: خطوات على دروب ترابية بأقدام شبه عارية، لزمن شبه عار، بياض الفجر جعل الرؤية أفضل، بدد شعوره بالخوف وجود بعض الفلاحين المنتشرين في الحقول مع أغنامهم، راحت أمه تجمع /القش/ وهي تدندن بأغنية حزينة كأنها تحدث نفسها: /والرمل ما ينعجن.. والشوك ما ينداس.. والسر ما ينعطى إلا لناس وناس/ أوف تخرج مجروحة ملفوفة بالدمع والحسرة على سنين العمر الشقية، تجري على ضفاف العمر دمعات لؤلؤية، تبلع مرارة ريقها المعجون بالغبار، تلوكه وتبصقه كأنها تخرج وجعها، ترتاح مع الأغاني وينشرح صدرها، بينما راح يشاغب بطفولته خلف طيور المرعى، نادته: خذ"الربوعة"واجمع روث الغنم، الشتاء قادم، كان كلما جمع كمية كبيرة من الروث وضعها في كيس يحملها على ظهره ثم يفرشها في ساحة ترابية بجانب /القبب/ بناء مخروطي مبني من الطين والحجارة، يترك لها فتحة من الأعلى ليتم إغلاقها بعد أن تمتلئ، حتى يأتي الشتاء، أيام كانت المواقد.. والتنور، تلك الأيام التي لا تنسى تظل محفورة بالذاكرة، كانت فطوم تعد الطعام على الموقدة بقدر النحاس الكبير، اقترب منها تناول أرغفة الخبز وراح يلقيها فوق الطعام يبللها بالبندورة والباذنجان يلفها ببعضها"