فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 73

ويمضغها بشهية، تضحك فطوم: على هذه الحالة سأبقي التنور حاميًا لأخبز من جديد /الشمس بددت بقايا الليل بأشعتها، شعر بالدفء، وارتاح باله القلق من أي حركة بين أكوام القش، انتهت فطوم وجمعت أدوات العمل وأصبح حمل القش جاهزًا، بينما أم منهل لم تزل مع ابنتيها يجمعان القش فطوم لا ترضى أن تترك رفيقة عمرها دون أن تقدم لها المساعدة.. هيا يا بني أهلًا"فطيم"أسعد الله صباحكم ما شاء الله دائمًا تسبقين الجميع ابتسمت وتابعت لمّ القش وترتيبه معهم، أنهت فطوم ربط حزمة القش الكبيرة وبدأت محاولة رفعها على رأسها تغوص قامتها تحت الحمل الثقيل ولم تعد تستطيع الرؤية... يمشي أمامها، تمشي هي على وقع قدميه على الطريق، كان العرق ينفر من جبهتها وينساب على رقبتها وصدرها وهي تخفي خصلات شعرها الأبيض تحت غطاء صوفي، خالطه شعور بالشفقة على والدته، تنهدت بعمق وأخذت تقص عليه حكايا الزمن كيف ينبت الفقر ويتحول إلى مرض يهدد حياة الناس، يبدو أن الشقاء كتب علينا يا بني: لذلك عليك أن تتابع تعليمك/ العلم وحده يخلصك من هذا العذاب/ كلمات ظلت معلقة بالبال ومزروعة بالذاكرة يرددها الحلم ليستعيد زمنه من ذلك الومض الذي لا ينطفئ في استراحة الطريق، جلسا بصمت فرشا صرة الطعام، لقمات شهية بعد تعب نهار طويل، كان عليها أن تصل إلى البيت لتقوم بواجبها كزوجة تنتظر صاحب البيت ليعود من عمله الشاق طوال اليوم فيجد الماء ساخنًا وثيابه النظيفة جاهزة، والطعام يعدّ على مهل فوق جمر الموقدة المناسبات والأعياد وحدها تجعل فطوم تتفرغ لنفسها تغتسل صباح العيد تبدل ملابسها تسرح شعرها بمشط من العظم الأبيض، تزهر أنوثتها تنفض التعب عن جسدها، هكذا تدحرجه الذاكرة إلى تلك الأيام التي لا تنسى.. يلفه الصمت وهو يستعيد أدق التفاصيل يتوكأ على الجراح القديمة بحثًا عن الألفة والكلمة الطيبة، يلتقط الحروف الحية من الذاكرة يشعلها شموعًا، يصنع احتفالًا ينمو الأمل في داخله، تضيق عليه المدن يصرخ، يأخذ الصدى صوته ينفلت من الوجع إلى الحلم، يخطف لحظات الفرح، ينكسر الحزن في عينيه، يداهمه شعور بالغربة، يتوغل في الخيال، مدن تصفر فيها الريح، تضيع ذاكرتها.. نوافذ مفتوحة لعفاريت الليل، عواء ذئاب، يحفر الخوف نقوشه على الجدران الرطبة، تصفر الريح في الشوارع الإسفلتية... تنفر خطواته، طرقات القرية لم تعد تشبه الأمس، بيوت من الإسمنت الأسود، لا صوت ثغاء غنم، ولا جرس المرياع، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت