فهرس الكتاب
أغاني الحزن يمتد ضباب صباحي ثقيل يلف الأمكنة والناس، ملامحهم لم تعد تشبه ملامح أيام زمان، أبواب مغلقة صوت موسيقى راقصة.. ونحيب خلف أسوار ونباح كلاب غريبة لم تعد القرية تشبه نفسها.. انتهى زمن الحكايا والسهرات فوق مصاطب الطين، واختفى خبز التنور والتين اليابس ومواقد الحطب، ذاكرة مقفلة وصمت مطبق أمام شاشة التلفاز كأنه السحر.. أراد أن يخرج من زمن البوح واللحظة المشتهاة: تناول القلم وراح يكتب:
لا صدى لصوته إلا صفير الريح تعصف بالنافذة المفتوحة يتسلل منها ضوء القمر باهتًا.. يحنو إلى سهول وتلال ما زالت تحضن طفولته المشاغبة، يردد الصدى صوت فطوم: والرمل ما ينعجن.. والشوك ما ينداس.. والسر ما ينعطى، يا عمي إلا لناس وناس؟..
حماه- معان /1973/
-عيدُ الأم-
مساءٌ رمادي يمتدُّ أوسعَ من الذّاكرة، معلقًا تنهيدات الرّوح، وتفيق الأسئلة وقفتْ خلف النّافذة، أطلّت على الشّارع المقفرِ، إلا من مواء القطط، ونباح الكلاب، أخافها صمتُ الليل، وهزها سواده الموجع.. لا قمر.. ولا نجوم إنّهُ إنذارٌ بالمطر، لفّتْ نحافةَ جسدها بشالها الصّوفي العتيق، تأكّدت من وجود الأغطية الصّوفية فوق أجساد أطفالها، مسحت دمعةً عن خديها..."يا حسرتي ناموا جياعًا". سنينٌ وهي تنتظرُ أن يدقّ الفرحُ بابَ بيتهم.. تستيقظُ في عمق الليل على حلمٍ يراودُها، أن يعودَ زوجها... يفتح الباب خلسةً، يمدُّ خطواتهُ إليها، يأخذها إلى حضنه، تشتمُّ رائحته، تفرشُ له جسدها، تلملم سجادة الصلاة من تحت قدميه... توزّع على أطفالها الحلوى الصبّاحية قبل ذهابهم إلى المدرسة!!
قطراتُ مطرٍ تساقطت على وجهها، أيقظتها من حلمٍ ما زال يسكنها، يداعبُ وحدتها!! داهمتها أسئلةٌ موجعةٌ، غدًا عيدُ الأم.. آهٍ يا صغاري.. أسرعتْ إلى خزانتها الخشبيّة، فتحت الباب بهدوءٍ.. صرير مفاصلها الصّدئة أقلق نوم الأطفال، تناولت علبةً قديمةً، كانت تضعُ فيها بعض حاجياتها.. صورٌ ورسائلٌ قديمةٌ، تناولتْ خاتمَ زواجها، هذا ما بقي لها بعد رحيلِ زوجها، غدًا تذهب إلى السّوق تبيعه وتوزّعُ على أولادها ثمنه ارتاحت للفكرة، شعرتْ بارتخاء جسدها.. انتبهت لصوت أذان الفجر... اقتربت من الأطفال بلطفٍ... أحنت قامتها، قبّلتْ جبهة كلّ واحدٍ منهم... حاولتْ أن تطرد القلق من داخلها... أطفأتِ الشّمعة، غافلتْ ذاكرتها وراحتْ تغط في نومٍ هادئ بانتظار الصّباح.
"صباحًا"