فهرس الكتاب
دقّتْ السّاعة السّادسةُ صباحًا، غسلتْ وجهها، وأخذتْ تعدُّ فطور الصّباح، وضعت اللفات الصّغيرة في أكياس نايلون، ووضعتها في حقائب الأطفال، كانتْ ابنتها ريما ذات العشرة أعوامٍ تراقبها... شيءٌ ما أيقظ طفولتها من حلمٍ مقلقٍ، أرادت أن تستنجدَ بأمِّها.. وجدتها تفتشُ في درجِ خزانتها القديمةِ، وشاهدتها وهي تأخذ خاتم زواجها تلفّه بدمعاتها السّاخنةِ... فكرتْ البنت الصغيرة وأرادت أن تراقبَ ما يحدث إلى نهايته.
بعد أن غادرَ الأطفال، أخذت الأم شالها الصّوفي وضعتهُ فوق رأسها، ومدّتْ خطواتها التّعبة إلى محلِّ بيع الذّهب، بيدين ترتجفان عشقًا للخاتم، دفعتهُ إلى صاحب المحلّ، وقبضتْ ثمنه وعيناها معلقتان عليه.. كادت أن تتراجع، أصواتُ أولادها تطنُّ في أذنيها.. ماما.. ماذا سنهديك بعد غدٍ عيدُ الأم؟ كانتْ ريما تراقبُ كلّ ما يحدثُ بدموعِ طفولتها البريئةِ.. تركتْ أمها وأسرعتْ... تتوسل إلى بوابِ المدرسة أن يدخلها، لقد تأخرتُ بسبب مرضها... لكنّهُ أصرَّ أن يذهبَ بها إلى مديرةِ المدرسة أخذتها إلى حضنها.. مسحتْ دمعاتِها... شكرتِ الرّجلَ وصرفته أجلستها أمامها على الكرسي، وطلبتْ من الطّفلة أن تقصَّ عليها سبب التّأخيرِ!!
استمعتْ إليها بلهفةٍ وصمتٍ... ربتتْ على كتفها لا عليكِ يا بنتي... عادت ريما إلى البيت، وآثارُ الحزن تقطنُ وجهها.. اجتمعتْ مع أخوتها وقصّتْ عليهم حكايتَها.. واتفقوا على سرّ بينهم...
-مساءً-
مساءً قامتِ الأمّ بعد العشاء، ووزعت على الجميع ثمن الخاتم بالتّساوي.. ولم يعرف النّومُ طريقهُ إلى عينيها تلك الليلة، تخيّلت أنّها ترتدي قميص نومها الزّهري، وكان هو يرتدي بجامته الرّمادية، أخذها إلى صدره تعانقا طويلًا، أطفأتْ أنوار الغرفة، شدّها إليه، غاصا في الحبّ، مدّت يدَها لتأخذهُ، سقطتْ علبةُ الدّواءِ فوقَ بلاط الغرفة...
نهضتْ مذعورةً.. يا إلهي إنّهُ كابوسٌ، تمتمتْ بأدعيةٍ وهي ترتجفُ حدّقت بالأطفال النيّام... وعادتْ إلى سريرها من جديد تنتظرُ الصباح.
-صباحَ العيدِ-
في الصّباح اجتمع الأولاد، وذهبوا إلى محلّ بائع الذّهب، وشرحوا له الحكاية.. ابتسم بلطفٍ.. وقدّم لهم الخاتم بعد أن أعادوا لهُ المبلغ ابتسم من جديدٍ.. لكنَّ المبلغ ناقصٌ مئتا ليرةٍ يا أحبائي.. ربتَ على كتفي ريما.. وقالَ صاحبُ المحلّ: المبلغُ هديّةُ مني لقاءَ محبتكم لأمكم.