فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 73

بخطواته المتثاقلة، يقطع المسافة بين غرفته والحديقة كل يوم، تضيق عليه جدرانها العفنة، تقلقه خيالات تتحرك من حوله، لم يجد لها تفسيرًا منطقيًا، صدره لم يعد يحتمل.. كاد ينفجر! تمنى أن يلتقي بأحد ما، ليفضي له بما يعانيه، راح يمشي عاقدًا يديه خلف ظهره.. تنحني قامته تحت ثقل سنوات العمر، تدور الأرض والشوارع، والبيوت، تلف بك الدنيا، وأنت وحدك.. بريق يلوح له من بعيد، يمشي إليه، توجعت قدماه.. واهترأ حذاؤه، شيء ما يضيق على صدره، حشرجة بطعم العلقم، يسعل بشدة، يا إلهي ما هذا الجفاف؟ وحشة الليل تحولت شوكًا أدمى جسده، بانتظار بياض الفجر، تطول فيه سنوات الانتظار، عاوده ألم رأسه.. يا لهذا الرأس إنه يجمع أوجاع الدنيا، أمام مرآة صدئة، أوحشه بياض شعره تمتم: لا عليك

حاول التخفيف عن نفسه.. وراء تلك الأبواب المغلقة الكثير من الحكايات، فكر قليلًا، كيف يمضي ليلته، يشعر إنها تمتد بلا نهاية! حدث نفسه أن يذهب إلى الخمارة في الحي القديم، تلك التي اصطحبه إليها صديقه جوزيف، قبل أن تطويه الغربة، بحثًا عن عمل أفضل... استبعد الفكرة، لا.. لا.. الحديقة أكبر وهواؤها أنظف، ابتسم ساخرًا.. بكل ما فيها من بقايا الزوار، وما يحيط فيها من دخان السيارات العابرة! فوق كرسي بجانب ملاعب الأطفال ترك لجسده حريته فوق مقعد خشبي، عاودته الخيالات الغريبة، أطفال، وضحكات وامرأة تجمع أشياءها، تغلق الباب خلفها بقوة، ما زال صداه يضج في رأسه.. كأنه الآن؟ العيشة معك لم تعد تطاق، أنت لا تمشي مع الدنيا، وحدك تظل، تتحدث عن أشياء لم تعد موجودة.. كأنه يقلب صفحات كتاب، راح يقلب ماضيه، شيء ما يوجعه، تلمس، أذنه، فرك عينيه، مد يده، دعك مفاصله.. آه. كل شيء يلمسه يزيد في وجعه، سمع بحة ناي من خلف الشجيرات، مشى إليها، توقف بخشوع أمام شاب يعزف على الناي كل آلامه.. جلس على الأرض بهدوء وراح يراقب حركات أصابعه فوق ثقوب الناي، ثيابه رثة وعيناه حائرتان.. كمن يبحث عن شيء ضائع..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت