فهرس الكتاب
الريح الباردة تعصف بثوب الليل، مواء قطط تخربش في حاوية القمامة، حركاتها العشوائية تعبث بصمت الليل، تنهض من السرير، تفتح النافذة، شعورها أنها وحيدة مع ذكرياتها يدفعها إلى طرقات موحلة، عيناها تراقبان قمرًا يعبر اتساع السماء، ترصدان حركة النجوم، تسترق النوافذ نظراتها إليه، تحني الأشجار قاماتها لجلال ضوئها... عبر نافذة مفتوحة على صمت الليل.. تنساب موسيقا هادئة، تشبه أنينًا خارجًا من صدر جريح، تعبر نافذتها، تخيم فوق المدينة النائمة، ثمة رائحة عفنة تنبعث من زوايا الشارع الخلفي؟ ونهر تمشي إليه القمامة.. تستباح على جانبيه جمالية أشجار الصفصاف والحور. حاولت أن تجمع صورًا من ذاكرتها، وهي تضرب بأصابعها أوتار العود.. اللحن يخترق صمت المكان، شيء من الجنون عشقها للموسيقى.. ارتشفت بقايا الكأس.. شعرت بمرارة، حاولت أن يطيعها اللحن الذي تريده، نفرت الأوتار منها، تركت العود.. مشت على بلاط الغرفة عارية القدمين، أمام المرآة راحت تخلع ملابسها قطعة، قطعة؟ كأنها تحرر نفسها من قيود تضيق عليها، عادت إلى العود، تختزن في صدرها شجنًا ونحيبًا... ينتشر صوتها مع اللحن... والكلمات، يكتسي ألوانًا، وصورًا.. كأنها تأتي من عالم آخر، لا شيء يستطيع محو ملامحه من ذاكرتها؟ صورته تسكنها، تعيش في لحنها، في أوتار عودها، عطره تعشش في ملابسها تمشي معها أينما اتجهت خطواتها؟ شعرت بيباس أصابعها على الأوتار، يخرج اللحن غليظًا، قذفت بالعود فوق السرير، دفعتها أنوثتها لأن تبكي حالها؟ على رؤوس أصابعها مشت إلى النافذة، أطلت برأسها، نجمة الصبح تظهر من خلف الغيوم.. شعرت بقشعريرة تجتاحها، تخيلت أنها تطير إليه تسكب له خمر انتظاراتها تسقيه وجع زمانها.. تسمعه آخر ألحانها... تنساب نغمات صوتها، تشده إليها تعيد إليه ذاكرته، انتفض من خلف مكتبه الواسع.. تجاهلها، أنكر صوتها، وضع أصابعه في أذنيه احتجاجًا على ألحانها؟ ضغط على جرس استدعاء الحرس، صرخ بوجههم بوحشية... هيا أخرجوا هذه السيدة من مكتبي، عضت على شفتها السفلى.. كاد الدم ينفر منها، الآن لم يعد يعرفها.. أخافه تغير ملامح وجهها.. لم يعد صوتها يطرب ليله.. حين كانت سهراته تمتد حتى الفجر.. حيث الموسيقى تركض بأحلامهما... تنفلت من قيد الزمن وأعين الناس، تهيم روحاهما إلى عالم النشوة يتعانقان بلهفة العشق!! قال لها يومًا: أنت لي مهما كانت الفوارق بيننا، ولن يبدل موقفي الزمن. خاف أن