فهرس الكتاب
نظرت إليهما بعينين تفيضان دمعًا ومشت.. يا إلهي تأخرت على السائق أسرعت خطواتها، اعتذرت بأدب من السائق: نظر في عينيها تمتم"إن لله في خلقه شؤون"، جلست بالمقعد وراحت تستعد لمواجهة أسئلة أهلها، هم الذين عارضوا زواجها من فارس ماذا تقول لهم؟ يومها لم تسمع إلا نداء قلبها.. أتقول إن الرجل الذي أحبته وعشقت فيه شهامته.. قد مات؟ وإنها وجدت نفسها تبيع جسدها لرجل لا تعرفه ولا تستطيع أن تستمر معه بقية حياتها وإنها عائدة تجر خيبتها، نظرت إلى الشمس وهي تغطس بالمالح، وبقايا لون الشفق كانت تريد أن تحتوي ذلك الغروب وتلك السفوح التي تحضن المقام تفتش عن أيامها وضحكاتها وأحلامها؟.
العائد من الغربة
راحا يتوغلان تحت ظلال الأشجار صامتين، يمشيان بخفة فوق بساط مفروش بأوراق الشجر.. وبقايا الأعشاب يشع الحب من عيونهما وميضًا وشوقًا، كانا يتبادلان النظرات.. ويراقبان عصافير الدوري كيف ترف فوق الأغصان.. زقزقتها تحولت إلى لحن شجيّ، غرقًا في معرفة تفاصيلها، تداعب صغارها تارة.. وتتبادل الطعام تارة أخرى معها، كانا صغارًا تتطاير أوراق الخريف من حولهما، ينضغط العشب تحت قدميهما العاريتين.. حاولا الانفلات من ضيق يكاد يخنق حلمهما باللقاءات الحميمة، طرقات غابية متعرجة.. رائحة التين الشهية، كانت تفتش له عن أزهار البنفسج، قدّم لها ثمرة التين هامسًا، إنها شهية كشهد العسل.. ضحكت بغنج قبلاتك أشهى منها يا شادي، خذني إليك.
.. أشعر بالبرد ابتسم بمكر: برد نيسان يغري العشاق يا صفاء، همست بجرأة طالما بحثت عنها، خلعت خجلها، مدت إليه يدها. قبلني أيها المتواري خلف قيود الوصايا.. لا تترك البرد يتسرب إلى جسدي انفلت من عادتك المقيتة.. دفنت رأسها في صدره، كان غير مصدق.
.. نزع الخوف عن شفتيه، تمرد على الوخز الداخلي.. بعينين تفيضان عشقًا وشوقًا أخذها بين يديه، فرش لها بيتًا صغيرًا يتسع لحبهما.. فرشت له عمرها وأحلامها.. ورضت بما لديه، لكنه في اللحظة التي أراد بها أن يقفز فوق زمانه، دفعته أحلامه لأن يتوه في ازدحام المدن، توقع أن يحقق طموحاته الكبيرة، تاهت خطواته في الفراغ وانتظار ما يأتي به المستقبل! غرق في دوامة الأسئلة؟ وظلت ذاكرته تدور في مدارات الغربة كل يوم يواجه موت حلم من أحلامه.