فهرس الكتاب
كانت الأولى: ذات القامة القصيرة قد قص شعرها على شكل دائري، خلعت نظارتها السوداء، عيناها صغيرتان، تركت على كتفيها سترة خمرية ناعمة، جلست إلى جانبها المرأة التي ترافقها، تشبه الوصيفات، أغلق باب الحافلة، عبر آلة التسجيل انساب صوت فيروز رقيقًا كنسمة الفجر أراح أعصابنا المتعبة، واعتكف كل إلى جاره في المقعد، يحدثه أو إلى صحيفة كان يحملها، قالت الوصيفة: سيدتي الحمد لله وصلنا في الوقت المناسب، لكن يا سيدتي لماذا لم نسافر بالسيارة؟ حدقت فيها بغضب ألم تشاهدي ماذا حصل معنا.. هذه /البولمانات/ أكثر أمانًا من سياقة سيدك أبي السعد، مع شريكه أبي فادي، مدت يديها /شوفي كيف عم ترجف/ كدنا ندهس الرجل.. شفتي كيف طارت عربته في الهواء.. كل قطعة وحدها، يا ساتر، كانت السيارة انقلبت، كأنه أعمى، ضحكت السيدة: ولا الفول كيف اندلق في الشارع، لولا سيدك أبا السعد، تفاداه واندفع باتجاه الرصيف، حاولت الوصيفة أن تبدي أسفها لأنهم تركوا الرجل العجوز مرميًا في الطريق دون إسعافه؟ زجرتها! يبدو أن الإنسان مهما تحضر يحنّ لأصله، كتمت الوصيفة غيظها وكأنها تذكر سيدتها، منذ طفولتها في القرية، تركض عارية القدمين وراء أمها، التي فارقت الحياة دون أن تنعم بما وصلت إليه ابنتها، تذكر جيدًا حال والدها /كان يعمل عند الناس أجيرًا/ وفي آخر النهار يحصل على قوت عياله، لولا أن قريبها أبا السعد أراد أن تكون له زوجة من قريته، بعد أن عاش في المدينة سنوات طويلة، ظنًا منه أنه يحمي سمعته، كادت المرأة تنفجر وتضرب بما تعلمه بوجه سيدتها، لكنها أومأت برأسها معك حق سيدتي، الحق على العجوز.. كان عليه أن ينتبه، المهم وصلنا بخير، أرادت الوصيفة، أن تستعطف سيدتها، وتفتح معها حوارًا ينسيها غضبها منها، قالت مندهشة:"ياي"خاتم جديد لم أرَ مثيله من قبل، ابتسمت لها بغنج وهي تنهض قامتها، علها تساويها في المقعد؟ إنه من الماس الحقيقي.. هدية أبو فادي بعيد ميلادي، كان عائدًا من /باريس/ بعد أن سهل له أبو السعد صفقة تجارية رابحة لصالح شركة كبرى، وراحت تعد هدايا ميلادها.. هذه الأساور من أبي كريم صاحب محل /مجوهرات/ وهذا الطوق، من أبي خالد، وهذا الحذاء /مدت قصر ساقيها/ من إيطاليا بمناسبة فوز أبي زهير، بمناقصة استيراد لحوم، و..، والوصيفة تحدق بتشققات يديها رغم مرور أعوام على وجودها في بيت ستها أم السعد، ما زال الحزن يعيش معها، تشفق على الناس وتحب لهم