فهرس الكتاب
مقعد الدراسة واحد.. المعلم ذو الشعر الأشيب والقامة المديدة، واحد،.. كان يركز اهتمامه في شرح قواعد اللغة وتقويم وقائع التاريخ المنسي كم طوت صفحاته أحداثًا كبيرة دفنها تحت غباره الزمني، انتفض أحد التلاميذ مقاطعًا الأستاذ!! أنت تبحث عن غايات شخصية، تابع الطالب: يجب أن لا ندخل الغايات الشخصية في قضايا التاريخ الهامة، وإلا اعتبر تزويرًا كأنك تكذب الواقع أو ترفض ما دونه السلف؟! قطب حاجبيه ثم أفرد أوراقًا يحملها معه وراح يشرح لنا عن الوراقين الذين يكتبون ما يملى عليهم، الأحداث الحقيقية لم تزل مدفونة في طيات الكتب التي اصطحبها /المستشرقون/ معهم، شعر بدوار.. تمسك بالمقعد خوف السقوط! نفر العرق من جبهته، عليه أن يسند قامته كالرمح.. هؤلاء الطلبة يتمسكون بما يسمعونه، بل ويعتبرونه /مقدسًا/ لا يمس.. راح يشرح بإسهاب.. ينتقي أوراقًا، ثم يضع بالقلم الأحمر خطوطًا عريضة مؤكدًا على صحة انتمائها التاريخي، كان يجهد نفسه!! محاولًا رفع السوية التربوية والفكرية للتلاميذ"أنتم يا أبنائي مستقبل الوطن وعليكم تقع مسؤولية كبيرة، لذلك يجب أن يكون لديكم دافع للتثقيف الذاتي، والبحث المعرفي، ليست كل النصوص تحتمي بقاموس القداسة! هناك الكثير مما يجب بحثه وتنقيته، إذا غاب عنكم الوعي، ماذا يبقى؟ أوصيكم ألاَّ تدعوا الجهل يسيطر على تفكيركم /العقلاني/ كلمات نسجتها الذاكرة.. وأصبحت تراتيل يومية تبدأ مع إطلالة الصباح، كان أستاذًا رائعًا.. لا يهادن، ولا يرضى أن يمرر درسًا حتى يشبعه بحثًا.. ومناقشة؟ كثيرًا ما وجه التأنيب المستمر للتلميذ"غازي الطلة"وأمثاله.. وأعاد عليهم شرحه المستفيض حتى كدنا نسمع لهاث صدره التعب، وكثيرًا أيضًا ما جعل القاعة تصفق معه للتلميذ"حيان الحسين"أمثالك يحتذى بهم ومرت السنوات وشمعته عصفت فيها الرياح، سنين تدحرجت على مسارات الدنيا أمضى شبابه بين طيات الكتب، وخلف مقاعد الدرس، كم أشير إليه.. أنه قام بتبديل نظارته الطبية مرات عديدة، عيناه تلتهمان الصفحات بلا ملل، كبر أكثر من زمنه، سنوات العمل، تشبه محطات الرحيل.. قطار العمر لم يتوقف.. تابع سيره إلى محطات علمية جديدة.. وتابع حيان الحسين تحصيله العلمي."