فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 73

على مقاعد الجامعة أحس بخسارة زميله"غازي"وافتقده أيضًا.. يوم فرح التخرج.. ثم لم يلتق به أثناء"خدمة العلم"لم ينسَ عذابه حتى استطاع تأمين عمل على أساس الشهادة الثانوية بانتظار مسابقة التعيين الجامعي، في غرفه محشورة بثلاث طاولات حديدية، وموظفين اقتربوا من سن المعاش، كان عليه أن يعمل من أجل لقمة العيش، وفي تلك الغرفة التي تطل على شارع مزدحم بالباعة القادمين من الريف، كل ينادي على بضاعته أمضى يومه الأول، كان يحتسي كأس الشاي صباحًا، شعر بحركة في ممر الإدارة غير طبيعية.. انتصبت القامات وانحنت للقادم!.

وخزه زميله ماجد.. إنه المدير العام يا رجل"قف، أفرد قامتك، أظهر احترامك، رمقه بنظرة تأنيب.. ليكن المدير العام.. نحن نعمل واجبنا، عليه أن يحيينا لأننا لم نترك العمل، أنت غير طبيعي.. يا رجل أقول لك إنه المدير العام."

فتح عينيه جيدًا.. رفع النظارة السميكة، غير مصدق ما تراه عيناه هذا معقول؟

إنه هو بشحمه ولحمه.."غازي الطلة"همس إلى زميله ماجد.. ماذا يفعل هذا الرجل..؟ نهره بقوة.. اصمت.."إنه المدير العام، غاص في قامته، لقد أذهلته المفاجأة؟! شعر بضيق شيء ما وخز صدره بقوة! حبس دمعه.. انسحب بهدوء يتعثر في خطواته؟.."

مسارات

أول الخطوات خارج مسارات القرية، تفاصيل تتكئ على مشاغبات طفولة يلفها الحزن، ويخيم عليها ضباب الفقر في مجتمع زراعي تنغلق مواسمه على مساحات للقمح والشعير وبعض حقول الكرمة حيث حبات العنب تختزن ألوان الشمس الصباحية على الزنود السمر ممزوجة بالملوحة والتعب، تندرج قصص وأغاني الميجنا والعتابا وتراتيل شفاه تشققت لكثرة ما رددت صلوات الفجر، ووجوه ارتسم عليها ذلك الزمن بقساوة ونضوج مبكر وأدوات بدائية تشق بطن الأرض، تقلب التربة لتتمتع بأشعة الشمس تختزل الزمن بحكايا حول مصطبات طينية يلتف حولها الرجال والنساء أيام الربيع والصيف، وتستمر الحكايا عن الذين رحلوا مبكرًا أو الذين ودعوا الأمكنة تناقلتهم محطات الغربة وقطارات الشمال العابرة إلى الجنوب، اختصرت الدنيا ماضيهم بهالة من المغريات، أفرغت داخلهم من كل طيبة ومحبة، وحولتهم إلى أفاعٍ توزع السموم على الماضي وراحوا يلهثون وراء سلسلة من إرهاصات الزمن المرّ وأشواك تدمي جراحًا مكشوفة على اتساع الألم والجوع، فلم يعد شيء يشبع شهوتهم للحياة والمال متنكرين لأي صلة بأناس يعيشون الحلم وأفئدة تستنشق طهر الهواء والأرض، تقاوم عيشة الأقدار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت