فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 73

خطوات لم تكن في الهواء، رسمت دوائر من صمت لعالم الطفولة يلهث على مقاعد الدرس، يتحمل برد الشتاء وحرّ الصيف، ودروب تفترش الحصى والتراب، وأقدام تدوس بأحذية مهترئة، أزقة تضيق بوحل الشتاء وسنين تدحرجت على أرصفة أكلت منها (النعال) .

نمت أفكاره في فضاء لا يتسع للذاكرة حيث سهول قريته (معان) تخوم تتداخل مع البادية الواسعة، مراعي الأغنام والحيوانات التي ترافق ترحال البداوة في فصول السنة، تغفو قريته بين سنابل القمح ورائحة البخور يوقظ أهلها أذان الفجر الندي، وصياح الديكة، ينهض الفلاحون في تلك الأرض التي تعلم منها أن الكتاب وطن والأرض انتماء، تنقله تفاصيل عشقه إلى المدينة وانغلاق مجتمعهها إلى متابعة تعليمه الأول، ضجيج وازدحام سيارات لم يكن يعرف عنها إلا قرقعة العربات ووقع حوافر الخيل وراء محراث الفلاحة، تغوص قدماه شبه العاريتين بوحل الطرقات الترابية من وصايا والده (اسمع يا بني لقد أهلكنا التعب، عليك أن تتعلم) .

سحب الجلابية بان زنده الأسمر، ضغط عليه، اقترب، ارتجف بين يديه، أترى هذا الشريان، سأبيع دمه من أجل أن تتابع تعليمك يا بني أغمض عينيه، مسارات كواها الوجع، حاول أن يخرج منها وحيدًا في غرفته الصغيرة في حي (الجراجمة) الواقع على تلّة تطلّ على ضفاف العاصي وعنين النواعير صورة للجمال الذي يسكن خياله واحتفظت به ذكرته.

الشارع المرصوف بالحجارة البازلتية المؤدي إلى مدرسته، كان يقطعه ماشيًا، يتوقف عند تفاصيل الشوارع، وبناء الجامع الكبير وأشجار السرو والحور والجوز على ضفاف العاصي، أدهشه قيام أطفال بعمر الورد للغوص من ارتفاعات كبيرة في مياه النهر، أراد أن يصطحب رفيقه هادي إلى السينما، يعرض فلم لعبد الحليم (معبود الجماهير) ضرب على الجرس، أطلت رنا بوجهها الحنطي وصدرها الشهي ترتدي قميص نوم شفاف.. أهلا أحمد.. قدمت له كرسيًا من القش، جلس مرتبكًا، دارت عيناه في الغرفة المرتبة، بعض الكتب المدرسية، بدلة هادي ليست مكانها.. ابتسمت رنا: إنه في اجتماع الطلبة كما تعلم.. أحس بالوخز.. لقد نسي ذلك أم تقصد النسيان، زاد ارتباكه وتابعت: كما تعلم غدًا مسيرة طلابية في المدينة، وهادي عضو في لجنة التنظيم الطلابي، أراد أن يذهب، وقفت في طريقه لامست كتفه شعر بحرارة اجتاحت جسده، ما رأيك بكأس شاي مع النعناع.. إنه شرابي المحبب نادتها (الحجة) صاحبة المنزل"مين عندك يا خالتي رنا..)."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت