فهرس الكتاب
كان صباحًا شتائيًا مثقلًا بالضباب، السّماء رمادية داكنة تنذر بالمطر، تركت فنجان قهوتها الصباحية. فتحت النافذة رغم البرد الشديد، راحت تمشي فوق بلاط الغرفة عارية القدمين، كأنها تعاقب نفسها! بينما عبد الحليم يبحر في فنجانه المقلوب مع الشعر الغجري المسافر عبر اتجاهات الدنيا تلفحه ريح الندم تارة، وتارة يتأوه من نار الشوق... يبحث بين نغمات الألحان عن الدفء لجسده المثقل بألم المرض القاتل، تناولت زجاجة ملونة سكبت عصيرًا خمري اللون... لوّن شفتيك المشتعلة، تذوقت طعمه الحلو... فرشت تحت قدميها بساطًا مصنوعًا من بقايا الأقمشة، وهي تردد مع عبد الحليم، راحت تكتب: أنت وحدك كنت تغريني بالزجاجات الملونة، معًا نعيش الفرح في فصل الخريف... كانت الطريق تحت أقدامنا مفروشة بأوراق الأشجار، وكأن الأشجار كانت تبكيها ونحن نركض فوقها بلا ملل، وحين تعثرت أخذتني بين ذراعيك تمنيت أن يطول بنا الزمن... أذكر أنك سحبتني من يدي وتوغلنا في الغابة أكثر حيث الأشجار الكثيفة، لم نشعر ببرودة الخريف ونحن نشرب السائل الخمري... شعرت بأنفاسك تحيط بي كنت أحس أننا وحيدان في غابة لم يكتشفها أحد قبلنا، راحت أصابعك تتوغل في شعري، وتسافر مع رائحة الهيل من فنجاني المقلوب، في اللحظة التي غرقت شفتاي بين شفتيك... هزني أزيز الرصاص! ثم عواء ردده الوادي، ارتعش جسدي، سقطت على الأرض، وأنت استغرقت بالضحك، ولم تعد تقوى على مساعدتي كي أنهض... قلت: إنه الصياد الملتحي الذي شاهدناه صباحًا، يبدو أنه وجد الذئب، كنت أمسح دموعي وأنت تنفض عني بقايا الأوراق... تسللت أصابعك تحت القميص... ابتسمت بمكر، كأنك لم تكن تقصد ذلك... همست في أذني: ما أجمل الخريف!"شفتاك كهذا الشراب خمريتان"