فهرس الكتاب
استيقظ مبكرًا شعر بألم في جميع أعضاء جسده، مدّ يديه إلى الأمام ثم ضمها إلى صدره، دخل الحمام... غسل وجهه، فرك عينيه، بقايا احمرار بهما، بحث عن نظارته الطبية، تذكر أنه تركها أمس من أجل تبديل العدسات درجة إضافية... حلق لحيته، بدل ثياب نومه... دخل المطبخ أعد قهوته، حدق بالساعة إنها السابعة والربع موعد ذهابه إلى العمل، ارتدى معطفه وبخطوات سريعة سار تحت المطر الغزير... هاهي الحافلة التي تقله لعمله يوميًا، ألقى تحية الصباح، جلس في مقعده اليومي، من سنين الجميع يعرف أنه يحبّ الجلوس آخر مقعد... مسح الزجاج وراح يراقب ازدحام المرور... سيارات وسرافيس... آليات من كل نوع، تكاد تضرب بعضها... فرامل ثم صراخ رجل بللته سيارة مسرعة بالوحل والماء؟ في الإدارة، وقّع على سجلّ الموظفين... جلس خلف طاولته الحديدية فوق كرسي من الخيزران، بحركة لا شعورية، فتح صحيفة الصباح، أقلقته الأخبار... مقابلات مع مسؤولين... إعلانات عن مواد غذائية... صور لأطفال يقبضون على الحجر... تسيل الدماء فوق جباههم أقدامهم العارية تمزق الصمت... تهدّ السكينة، تنبئ بعاصفة شبيهة بهذه الريح؟ اختلط دم الأطفال مع تراب الأرض والمطر كأنه سمع صراخ الأمهات... يمتزج مع الزغاريد؟ قشعريرة ودموع وألم... طوى الصحيفة دسها بجيب معطفه، نسي أن يوقع على سجل الموظفين!! ونسي أن يحضر نظارته، حاول أن يتذكر هل تناول فطوره؟ لم يتمكن؟... مدّ خطواته تحت المطر الغزير في الشوارع المزدحمة.
بعد سنوات،
اختلطت عليه الأمور، تغيرت نظرته للأشياء التي تدور حوله، أحزانه ظلت كما هي! تبدلت ملامحه، انتشرت التجاعيد تحت عينيه... تضخم أنفه، وصبغ البياض لحيته وشاربيه، كم رسم خططًا، وتوقع أحداثًا؟ لكنها بقيت بذاكرته وحده، ورغم السنين لم يستطع أن يتخلص من أحلامه الصغيرة... راح يتردد على الأماكن القديمة، وحيدًا يمشي، غريبًا يعيش الأولاد كل يبحث عن مستقبله، في حياتهم خارج البيت... زوجته مشغولة بآخر موضات صباغة الشعر، يضحك بسخرية منها ألم تتعبي؟ تنظر إليه ما زلت أخاف عليك من أعين النساء... يستمر بضحكه ويتابع خطواته إلى الحديقة العامة، يجلس بجانب البحرة الصغيرة يراقب عناق بطتين تآلفتا أشعل لفافة تبغ سحب نفسًا بعمق... نفحه بالهواء، نهض مستاء مما يحدث له... فكر قليلًا عليه أن يجد من يتكلم معه قبل أن يفقد عقله...
دمشق / 1/ 1/ 2002
أوراق الخريف