الصفحة 14 من 103

ولعل سائلا يسأل: ما معنى كونه تعالى رحيما، وكونه أرحم الراحمين، والرحيم لا يرى مبتلى ومضرورا ومعذَّبا ومريضا وهو يقدر على إماطة ما بهم؛ إلا ويبادر إلى إماطته؟ والرب سبحانه وتعالى قادر على كفاية كل بلية، ودفع كل فقر وغُمة، وإماطة كل مرض، وإزالة كل ضرر؛ والدنيا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا، وهو قادر على إزالتها جميعا؛ وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن؟!

والجواب: إن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة، والأب العاقل يحمله عليها قهرا، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته، وأن الأم له عدو في صورة صديق؛ فإن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا، بل كان خيرا.

والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير؛ لو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه .. فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنه الخير الجزيل؛ وهو سلامة البدن. ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن، ولكان الشر أعظم، وقطع اليد لأجل سلامة البدن

شر في ضمنه خير. وقد قال الله عز وجل:"سبقت رحمتي غضبي" [متفق عليه] ، فغضبه إرادته للشر، والشر بإرادته ورحمته إرادته للخير، والخير بإرادته ولكن إذا أراد الخير للخير نفسه، وأراد الشر لا لذاته ولكن لما في ضمنه من الخير، وكلٌّ بقدر، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلا] [المقصد الأسنى]

فيا عباد الله. .

قال تعالى: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) [الزمر:53 - 54]

(لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار.

(إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم. [تيسير الكريم الرحمن]

اللهُ .. اللهُ .. حينَ القلبُ مُنقبضٌ ... وحينَ تنبسطُ الأحشاءُ .. اللهُ

اللهُ .. اللهُ .. حينَ السِّرُّ مُستَتِرٌ ... وحينَ تنكشِفُ الأسرارُ .. اللهُ

وحينما القلبُ مَأوى كلِّ مُوبِقَةٍ ... واللهُ يغفرُ بالرُّحمَى خطاياهُ

وحينَ أغرقُ في العصيانِ واخجلي ... وتحتويني مِنَ المَولى عطاياهُ

وحينَ تَقنَطُ رُوحي مِن عنايتِهِ ... فتصرخُ الرُّوحُ في الظلماءِ: ربَّاهُ

وحينَ أطرقُ بابَ اللهِ في خجلٍ ... والبُعدُ أثَّرَ في قلبي وأضناهُ

وحينَ يفتحُ ربي بابَ رحمتِهِ ... فتصرخُ الروحُ جَزلَى: إنّكَ اللهُ

يا أيها الناسُ أوصيكم بهِ أبدًا ... كذا ونفسي، وأوصيكم بتقواهُ

فما أُحيلاهُ ذكرًا في ضمائرنا ... وما أُحيلاهُ مِن وِرْدٍ وأغلاهُ

من قصيدة"الله"للشاعر السوري/ أنس إبراهيم الدغيم - موقع رابطة أدباء الشام

أهل المرحمة

(1) المحسنون

إن رحمة الله قريب من المحسنين:

قال تعالى: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56]

إن رحمته عز وجل مرصدة للمحسنين الذي يتبعون أوامره، ويتركون زواجره. و (رحمة الله) : إحسانه وإيتاؤه الخير. والقُرب حقيقته دُنُو المكان وتجاوره، ويطلق على الرجاء مجازا يقال: هذا قريب، أي ممكن مرجو، ومنه قوله تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج:6 - 7] ، فإنهم كانوا ينكرون الحشر وهو عند الله واقع لا محالة، فالقريب هنا بمعنى المرجو الحصول وليس بقرب مكان.

وتفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قربا من الآخرة، وبعدا من الدنيا، فإن الدنيا كالماضي، والآخرة كالمستقبل، والإنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعدا عن الماضي، وقربا من المستقبل. ولذلك قال الشاعر:

فلا زالَ ما تهواهُ أقربَ مِن غدٍ ... ولا زالَ ما تخشاهُ أبعدَ مِن أمسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت