فهرس الكتاب
ودلَّ قوله: (قريب من المحسنين) على مقدَّر في الكلام، أي: وأحسنوا، لأنّهم إذا دعوا خوفا وطعما فقد تهيَّأوا لنبذ ما يوجب الخوف، واكتساب ما يوجب الطمع، لئلا يكون الخوف والطمع كاذبين، لأن مَن خاف لا يُقدم على المخوف، ومَن طمع لا يَترك طلب المطموع، ويتحقق ذلك بالإحسان في العمل ويلزم من الإحسان ترك السَيِّئات، فلا جرم تكون رحمة الله قريبا منهم، وسكت عن ضد المحسنين رفقا بالمؤمنين وتعريضا بأنّهم لا يظن بهم أن يسيئوا فتبعد الرحمة عنهم.
والإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولهذا قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله، فكلما كان العبد أكثر إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى.
وفي قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ) ، ترجيح للطمع على الخوف، لأن المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته وسبقها، غلب الرجاء عليه. وفيه أيضا تنبيه على ما يتوسل به إلى إجابة الدعاء، وهو الإحسان في القول والعمل.
قال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين.
إذن مَن الذي يحدد قرب الرحمة منه؟ إنه الإنسان .. فإذا أحسن قربت منه الرحمة والزمام في يد الإِنسان؛ لأن الله لا يستبد بأحد. فإن كنت تريد أن تقرب منك رحمة الله فعليك بالإِحسان: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)
وأنت تدخل بيوت الله تصلى في أي وقت، وتقف في أي مكان لتؤدي الصلاة، إذن فاستحضارك أمام ربك في يدك أنت، وسبحانه حدد لك خمسة أوقات، ولكن بقية الأوقات كلها في يدك، وتستطيع أن تقف بين يدي الله في أي لحظة. وسبحانه يقول:"وإنْ أتاني يمشي أتيتُه هرولة" [متفق عليه] . فهو جل وعلا يوضح لك: استرح أنت وسآتي لك أنا؛ لأن الجري قد يتعبك لكني لا يعتريني تعب ولا عَيٌّ ولا عجز. وكأن الحق لا يطلب من العبد إلا أن يملك شعورا بأنه يريد لقاء ربه. إذن فالمسألة كلها في يدك، ويقول سبحانه:"إنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منه" [متفق عليه]
وهكذا يؤكد لك سبحانه أن رحمته في يدك أنت وقد أعطاها لك، تفضلًا منه جل وعلا. [تيسير الكريم الرحمن-مفاتيح الغيب-التحرير والتنوير-محاسن التأويل-تفسير الشعراوي]
الإحسان لب الإيمان وروحه وكماله
والإحسان لب الإيمان وروحه وكماله، ومعناه مراقبة الله تعالى في السر والعلن مراقبة مَن يحبه ويخشاه ويرجو ثوابه ويخاف عقابه؛ بالمحافظة على الفرائض والنوافل، واجتناب المحرمات والمكروهات. والمحسنون هم السابقون بالخيرات المتنافسون في فضائل الأعمال.
وهو أن تعبد الله كأنك تراه، ولا مشهد للعبد في الدنيا أعلى من هذا. ولو كان فوق مقام الإحسان مقام آخر لذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -، ولسأله جبريل عنه؛ فإنه جمع مقامات الدين كلها في الإسلام والإيمان والإحسان في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب؛ قال - رضي الله عنه: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد؛ أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليهِ سبيلًا". قال: صدقت! قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان. قال:"أن تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ، ورسلِهِ، واليومِ الآخرِ، وتؤمنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ". قال: صدقت .. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال:"أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنكَ تَرَاهُ، فإنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ .." [متفق عليه]
والحديث إشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل، ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له.
المراقبة من الإحسان
المراقبة تسد مداخل الشيطان إلى النفس:
المراقبة من الإحسان، وهي [دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي"المراقبة"، وهي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله .. وهو مطلع على عمله كل وقت، وكل لحظة، وكل نَفَس، وكل طرفة عين .. والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات، فكيف بحال المريدين؟ فكيف بحال العارفين؟
قال ذو النون: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظَّم الله، وتصغير ما صغَّر الله.