فهرس الكتاب
وقيل: الرجاء يحرك إلى الطاعة، والخوف يبعد عن المعاصي، والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق.
وقال إبراهيم الخواص: المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل.
والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير .. فمَن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة. والله أعلم.] [مدارج السالكين]
والرقيب هو المراقِب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك. ومَن هذا صفته فإنه يجب أن يُخاف ويُرجى، فبيَّن تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرًا خائفًا فيما يأتي ويترك.
ووصف المراقبة للعبد إنما يُحمد إذا كانت مراقبته لربه وقلبه؛ وذلك بأن يعلم أن الله تعالى رقيبه وشاهده في كل حال، ويعلم أن نفسه عدو له، وأن الشيطان عدو له، وأنهما ينتهزان منه الفرص حتى يحملانه على الغفلة والمخالفة؛ فيأخذ منهما حذره بأن يلاحظ مكانهما وتلبيسهما ومواضع انبعاثهما حتى يسد عليهما المنافذ والمجاري؛ فهذه مراقبته.
[قال ابن المبارك لرجل: راقب الله تعالى. فسأله عن تفسيره، فقال: كن أبدا كأنك
ترى الله عز وجل.
وقال عبد الواحد بن زيد: إذا كان سيدي رقيبًا عليّ فلا أبالي بغيره.
وقال أبو عثمان المغربي: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه المحاسبة والمراقبة، وسياسة عمله بالعلم.
وقال ابن عطاء: أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات.
وقال الجريري: أمرنا هذا مبني على أصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله عز وجل، ويكون العلم على ظاهرك قائمًا.
وقال أبو عثمان: قال لي أبو حفص: إذا جلست للناس، فكن واعظًا لنفسك وقلبك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك، والله رقيب على باطنك.
وحكي أنه كان لبعض المشايخ تلميذ شاب، وكان يكرمه ويقدمه، فقال له بعض أصحابه: كيف تكرم هذا وهو شاب، ونحن شيوخ؟! فدعا بعدة طيور، وناول كل واحد منهم طائرًا وسكينًا، وقال: ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد. ودفع إلى الشاب مثل ذلك، وقال له كما قال لهم .. فرجع كل واحد بطائره مذبوحًا، ورجع الشاب والطائر حي في يده! فقال: ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك؟ فقال: لم أجد موضعًا لا يراني فيه أحد؛ إذ الله مطلع عليّ في كل مكان .. فاستحسنوا منه هذه المراقبة، وقالوا: حق لك أنْ تُكرم.
وحكي عن بعض الأحداث أنه راود جارية عن نفسها، فقالت له: ألا تستحيي؟ فقال: ممن أستحيي، وما يرانا إلا الكواكب؟! قالت: فأين مكوكبها؟
وقال رجل للجنيد: بم أستعين على غض البصر؟ فقال: بعلمك أنَّ نظر الناظر إليك أسبق مِن نظرك إلى المنظور إليه.
وقال الجنيد: إنما يتحقق بالمراقبة مَن يخاف على فوت حظه مِن ربه عز وجل.
وسئل المحاسبي عن المراقبة فقال: أولها علم القلب بقرب الله تعالى.
وقال سهل: لم يتزين القلب بشيء أفضل ولا أشرف مِن علم العبد بأن الله شاهده
حيث كان.
وسئل ذو النون: بم ينال العبد الجنة؟ فقال: بخمس: استقامة ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية، وانتظار الموت بالتأهب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب.
وقال حميد الطويل لسليمان بن علي: عظني .. فقال: لئن كنت إذا عصيت الله خاليًا ظننت أنه يراك؛ لقد اجترأت على أمر عظيم .. ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت.
وقال فرقد السبخي: إن المنافق ينظر فإذا لم يَرَ أحدًا دخل مدخل السوء، وإنما يراقب الناس، ولا يراقب الله تعالى.] [إحياء علوم الدين (ملخصًا) ]
و [المراقبة، علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه، وهذا أصل كل خير له. ولا يكاد يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة، فإذا حاسب نفسه على ما سلف له، وأصلح حاله في الوقت، ولازم طريق الحق، وأحسن بينه وبين الله تعالى مراعاة القلب، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس، وراقب الله تعالى في عموم أحواله، فيعلم أنه سبحانه؛ عليه رقيب، ومِن قلبه قريب، يعلم أحواله، ويرى أفعاله، ويسمع أقواله، ومن غفل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة، فكيف عن حقائق القربة.
قال أبو علي الدقاق: كان لبعض الأمراء وزير، وكان بين يديه يومًا، فالتفت إلى بعض الغلمان الذين كانوا وقوفًا، لا لريبة، ولكن لحركة أو صوت أحس به منهم، فاتفق أن ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير في تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم الأمير أنه نظر إليهم، فجعل ينظر إليه كذلك، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على هذا الأمير، وهو أبدًا ينظر إلى جانب، حتى توهم الأمير أن ذلك خَلْقُه؛ وحَوَلٌ فيه. فهذه مراقبة مخلوق لمخلوق، فكيف مراقبة العبد لسيده؟