الصفحة 17 من 103

وكان أمير له غلام يُقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من غلمانه؛ ولم يكن أكثرهم قيمة، ولا أحسنهم صورة، فقالوا له في ذلك، فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره. ففي يوم من الأيام كان راكبًا، ومعه الحشم، وبالبعد منهم جبل عليه ثلج، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق رأسه، فركض الغلام فرسه، ولم يعلم القوم لماذا ركض! فلم يلبث إلا يسيرًا حتى جاء ومعه شيء من الثلج. فقال له الأمير: ما أدراك أني أردت الثلج؟ فقال الغلام: لأنك نظرت إليه، ونظر السلطان إلى شيء لا يكون عن غير قصد صحيح. فقال الأمير: إنما أخصه بإكرامي وإقبالي، لأن لكل أحد شغلًا، وشغله مراعاة لحظاتي، ومراقبة أحوالي!] [الرسالة القشيرية]

ومراقبة الله تعالى تحفظ العبد من الزلل، وتقيه العثرات والانحرافات، وتجعله حاضر القلب يستهدي بالله لا بهواه .. وعلى كل مؤمن يراقب الله تعالى أن يعلم أن الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده فليتبعه .. وأمر استبان غيه فليجتنبه .. وأمر أشكل عليه فليسأل عنه ..

ومراقبة الله تعالى قارب النجاة من الغرق في بحر الشبهات والانحرافات والشهوات .. فالذي يراقب الله تعالى يسد على الشيطان مداخله إلى نفسه، والغافل عن المراقبة واقع في خياطيم الشياطين .. جبهات نفسه ضعيفة، مقاومته كليلة، مناعته معدومة: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف: 36 - 38]

و[الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه. فأمر بقصد نيته ورفع اليدين إليه والسؤال له.

فقلوب الجهال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا. والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة وكفتهم عن الانبساط.

ولولا نوع تغطية على عين المراقبة الحقيقية لما انبسطت كف بأكل ولا قدرت عين على نظر.

ومتى تحققت المراقبة حصل الأنس، وإنما يقع الأنس بتحقيق الطاعة، لأن المخالفة توجب

الوحشة، والموافقة مبسطة المستأنسين. فيا لذة عيش المستأنسين، ويا خسارة المستوحشين.

وليست الطاعة كما يظن أكثر الجهال أنها في مجرد الصلاة والصيام. إنما الطاعة الموافقة بامتثال الأمر واجتناب النهي.

هذا هو الأصل والقاعدة الكلية، فكم من متعبد بعيد، لأنه مضيع الأصل وهادم للقواعد بمخالفة الأمر وارتكاب النهي. وإنما المحقق مَن أمسك ذؤابة ميزان المحاسبة للنفس فأدى ما عليه واجتنب ما نُهي عنه. فإن رُزِق زيادة تنفل وإلا لم يضره.] [صيد الخاطر]

قال أحمد الرفاعي: من الخشية تكون المحاسبة، ومن المحاسبة تكون المراقبة، ومن المراقبة يكون دوام الشغل بالله تعالى.

و[المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع مِن المعرفة، وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب .. أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب، واشتغاله به، والتفاته إليه، وملاحظته إياه، وانصرافه إليه .. وأما المعرفة التي تثمر هذه الحالة فهو العلم بأن الله مطلع على الضمائر، عالم بالسرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كل نفس بما كسبت، وأن سر القلب في حقه مكشوف، كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف، بل أشد مِن ذلك .. فهذه المعرفة إذا صارت يقينًا -أعنى أنها خلت عن الشك- ثم استولت بعد ذلك على القلب قهرته؛ فَرُبَّ علم لا شك فيه لا يغلب على القلب، كالعلم بالموت! فإذا استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب، وصرفت همه إليه .. والمراقبة على درجتين: مراقبة التعظيم والإجلال، ومراقبة الحياء من الله، وأصحاب هذا المقام يمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة؛ فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعًا عليهم، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة ..

وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات، فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا، فيحضرك صبي أو امرأة، فتعلم أنه مطلع عليك، فتستحيي منه؛ فتحسن جلوسك، وتراعى أحوالك .. لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء .. وقد يدخل عليك كبير من الأكابر، فيستغرقك التعظيم .. حتى تترك كل ما أنت فيه شغلا به لا حياءً منه .. فهكذا تختلف

مراتب العباد في مراقبة الله تعالى.] [إحياء علوم الدين (ملخصًا) ]

سئل أبو الحسين بن هند: متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أن عليه رقيبًا.

وقال أبو العباس البغدادي: سألت جعفر بن نصير عن المراقبة، فقال: مراعاة السر لملاحظة نظر الحق سبحانه مع كل خطرة. ... وقال إبراهيم الخواص: المراعاة تورث المراقبة، والمراقبة تورث خلوص السر والعلانية لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت